وقيل : هو حينئذ وصف لأهل الباطل ، وبيان لضعف عقولهم حيث لم يعرفوا وجه الآية ومعناها .
ثمّ قال : فإن قلت : أكثرهم أهل اللسان ، فكيف لم يعرفوا معناها ؟ قلت : المراد أنّهم لأذهانهم السقيمة ، وأفكارهم العقيمة أخطؤوا في المقصود منها ، فزعموا أنّهم هم المؤمنون الصالحون المتّقون ، وأنّ مَن عداهم ممّن رفض طريقتهم هم الفجّار المفسدون ، فقلبوا المقصود لفساد قلبهم ، ذلك مبلغهم من العلم ، ولذلك أدرج لفظ الوجه ؛ لأنّ وجه الكلام سبيل المقصود منه . « 1 » ( إذ يقول ) في سورة ص :
« وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ »
.
قال بعض المفسّرين :
يعني الكفّار ، أي لو سوّينا بينهما لكنّا خلقناهما باطلًا ، والآية نزلت في ثلاثة رهط :
علي عليه السلام ، وحمزة ، وعبيدة بن الحارث .
والمفسدين في الأرض : عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة ، وهم الذين بارزوا يوم بدر ، فقتل عليّ عليه السلام الوليد ، وقتل حمزة عتبة ، وقتل عبيدة شيبة .
وقيل : عامّ . « 2 »
« أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ »
الذين يتّقون الشرك والمعاصي .
« كَالْفُجَّارِ »
« 3 » : كالكفّار في الثواب .
قال البيضاوي :
« أم » الأولى منقطعة ، والاستفهام فيها لإنكار التسوية بين الجزئين التي هي من لوازم خلقها باطلًا ؛ ليدلّ على نفيه ، وكذا التي في قوله :
« أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ »
؛ فإنّه أنكر التسوية بين المؤمنين والكافرين ، ثمّ بين المتّقين من المؤمنين والمجرمين
هامش
( 1 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 175 .
( 2 ) . انظر : تفسير السمرقندي ، ص 158 ؛ تفسير السمعاني ، ج 4 ، ص 438 ؛ شواهد التنزيل للحسكاني ، ج 2 ، ص 171 - 173 ؛ تفسير البغوي ، ج 4 ، ص 59 .
( 3 ) . ص ( 38 ) : 27 و 28 .