( فَقَالَ لَهُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ ، فَفَوَّضَ اللَّهُ إِلَى الْعِبَادِ ؟ ) . التفويض : الإقدار بحيث لا يكون بيده تعالى أزمّة الأمور ، وقد مرّ أنّه القدر المشترك بين إقدارين في ثامن الباب .
والظاهر أنّ مراد السائل هنا الفرد الأوّل منه ، ويحتمل القدر المشترك بين الفردين .
( قَالَ : فَقَالَ : لَوْ فَوَّضَ إِلَيْهِمْ ، لَمْ يَحْصُرْهُمْ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ) . الحصر بالحاء والصاد والراء المهملات من باب نصر وضرب : المنع والحبس ؛ يعني لو فوّض إليهم لجرى في ملكه ما لا يشاء ، فكان عاجزاً مثلهم ، فلم يكن ربّاً لهم ، ولم يكونوا مربوبين له ، فلم يصحّ منه أمرهم ونهيهم بالأصالة إنّما صحّ بالخلافة كما في الأنبياء والأوصياء ، وهذا ظاهر الفساد .
قيل : يعني الحكمة التي اقتضت حصرهم بالأمر والنهي تأبى عن التفويض ، وقول المعتزلة حيث قالوا : العباد ما شاؤوا صنعوا . انتهى . « 1 »
وقيل : قال الصادق عليه السلام : « لا جبر ولا تفويض بل أمرٌ بين أمرين » . عنى بذلك أنّ اللَّه تبارك وتعالى لم يجبر عباده على المعاصي ، ولم يفوّض إليهم أمر الدين حتّى يقولوا فيه بآرائهم ومقاييسهم ؛ فإنّه عزّ وجلّ قد حدّ ووظف وشرّع وفرض وسنّ وأكمل لهم الدين ، فلا تفويض مع التحديد والتوظيف والشرع والفرض وإكمال الدين . انتهى . « 2 »
( فَقَالَ لَهُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ ، فَبَيْنَهُمَا مَنْزِلَةٌ ؟ قَالَ : فَقَالَ : نَعَمْ ، أَوْسَعُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إلى الْأَرْضِ « 3 » ) . مضى معناه في تاسع الباب .
الثاني عشر :
( مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرُهُ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام : إِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَقُولُ بِالْجَبْرِ ، وَبَعْضَهُمْ يَقُولُ بِالِاسْتِطَاعَةِ ) أي بالاستطاعة للفعل وتركه معاً .
هامش
( 1 ) . حكاه في قواعد المرام ، ص 96 .
( 2 ) . في حاشية « أ » : « القائل ابن بابويه رحمه الله كتاب التوحيد من باب أسماء اللَّه تعالى في معنى الجبّار ( منه ) » . التوحيد ، ص 206 .
( 3 ) . في الكافي المطبوع : « أوسع ممّا بين السماء والأرض » .