إن قلت : قال تعالى في سورة الفتح :
« لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ »
« 1 » وقال :
« فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ »
« 2 » . وروى الزمخشري عن جابر بن عبداللَّه أنّه قال : بايعنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة على الموت وعلى أن لا نفرّ ، فما نكث أحدٌ منّا البيعة إلّاجدّ بن قيس وكان منافقاً اختبأ تحت إبط بعيره ولم يَسِرْ مع القوم .
انتهى . « 3 » وقد فرَّ قوم بعد بيعة الرضوان في غزوة خيبر ؛ روى البخاري عن البراء بن عازب أنّه قيل له : طوبى لك صحبت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وبايعته تحت الشجرة ، فقال : يا بن أخي إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده . انتهى . « 4 »
إن أرجع ضمير « بعده » إلى المذكور من البيعة ، فكأنّه يشير إلى من فرَّ يوم خيبر ، وإلى أنّه لا يجوز الاعتماد على محض صورة الصحبة والبيعة ، وإن أرجع ضمير « بعده » إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، فالمعنى ظاهر . وهذا يدلّ على أنّ الرضا منه تعالى ينقلب ، والحبّ والرضا واحد .
قلت : لعلّه لم يقل اللَّه تعالى : « لقد رضي اللَّه عن الذين بايعوك تحت الشجرة » مع أنّه أخصر للإشعار بأنّه لم يرض عن جميع المبايعين ، فيكون المراد بالمؤمنين حينئذٍ أهلَ السعادة .
إن قلت : ذكر « إذ » في قوله : « إذ يبايعونك » يدلّ على أنّه لم يكن راضياً عنهم قبل ذلك ، فهذا يدلّ على حدوث الرضا بالأعمال الصالحة ، والحديث يدلّ على خلاف ذلك .
قلت : قد ذكر في الحديث أنّ الحبّ قد يتعلّق بالشخص لسعادته ، وقد يتعلّق بالعمل لموافقته الأمر ، وأنّ المتعلّق بالعمل يحدث بحدوث العمل ، وينتفي بانتفائه ، فلعلّ ما في الآية من القسم الثاني ، وإنّما علّق بهم إشعاراً بأنّه اجتمع فيه القسمان ، فيكون المراد بالمؤمنين حينئذٍ أيضاً أهل السعادة ، أو هو تعليق مجازي ، ولا حجر في
هامش
( 1 ) . الفتح ( 48 ) : 18 .
( 2 ) . الفتح ( 48 ) : 10 .
( 3 ) . الكشّاف ، ج 3 ، ص 543 .
( 4 ) . صحيح البخاري ، ج 5 ، ص 66 .