وهذا لا يقتضي الجبر ؛ لأنّ الهوي إلى شئ لا ينافي القدرة على ضدّه ؛ ففي التعليل مسامحة ، وهو من قبيل تعليل الشيء بالكاشف عنه وبالعلّة لإثباته ، لا لثبوته ؛ كأن يقال :
تهوي إلينا لأنّ اللَّه علم منهم ذلك ، والعلم تابع وكاشف .
وأمّا قولهم عليهم السلام في ذلك الباب : « لا يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء ، ولا هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء » فسيجيء تحقيقه في ثاني « باب الاستطاعة » .
( فَمَنْ خَلَقَهُ اللَّهُ سَعِيداً ، لَمْ يُبْغِضْهُ ) أي لم يكله إلى نفسه ، ولم يحدث فيه شقاء .
( أَبَداً ، وَإِنْ عَمِلَ شَرّاً ، أَبْغَضَ عَمَلَهُ « 1 » ) . المراد ببغضه تعالى العملَ النهيُ عنه باعتبار استمرار ذلك النهي وتعلّقه به .
( وَلَمْ يُبْغِضْهُ ) ؛ فإنّه إن أبغضه - أي وكله إلى نفسه - رسخ فيه حبُّ عمل الشرّ ، وصار إلى سوء الخاتمة .
والمعتزلة - القائلون بأنّ السعادة والشقاء مساوقان للعمل الحسن والقبيح في الأبدان ، وينكرون خلق السعادة - يقولون : إنّ من عمل شرّاً أبغضه اللَّه ، فإن عمل خيراً انقلب بغضه حبّاً .
( وَإِنْ كَانَ شَقِيّاً ) أي ومَن خلقه اللَّه شقيّاً .
( لَمْ يُحِبَّهُ أَبَداً ) أي لم يحدث فيه سعادة .
( وَإِنْ عَمِلَ صَالِحاً ، أَحَبَّ عَمَلَهُ ) . المراد بحبّه تعالى العملَ الأمرُ به باعتبار استمرار ذلك الأمر وتعلّقه به .
( وَأَبْغَضَهُ ) أي وكله إلى نفسه .
( لِمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ ) أي لعلمه بما يصير إليه من حسن الخاتمة وسوء الخاتمة .
( فَإِذَا أَحَبَّ اللَّهُ شَيْئاً ، لَمْ يُبْغِضْهُ أَبَداً ، وَإِذَا أَبْغَضَ شَيْئاً ، لَمْ يُحِبَّهُ أَبَداً ) . تصريحٌ بالفذلكة .
هامش
( 1 ) . في « ج » : « عليه » .