ترى أنّك ، إلى آخره . « 1 »
إن قلت : هذا الدليل يدلّ على أنّ بعض أفراد المشيئة - وهو المشيئة لفعل الغير - حادث والمنازع إنّما نزاعه في المشيئة لأفعال نفسه تعالى وتروكه .
قلت أوّلًا : لا يمكن حدوث مشيئة لفعل غيره إلّابحدوث مشيئة له لفعل نفسه أو تركه ، ألا ترى أنّك تقول : سأفعل كذا إن شاء اللَّه ما أفضى إلى فعلي ، ولا تقول : إن علم اللَّه . ويجيء في رابع الباب ورابع « باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين » ما يوضحه .
وثانياً : إنّ انتفاء الفرق معلوم من استعمالات اللغة ، فإنّه يتلخّص من استعمالاتها أنّها صادرة عن الشائي لداع كما مرَّ آنفاً ، ولذا يقولون : إنّه تعالى قادر إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، واستعمالات القرآن على طبق ذلك ، كما في قوله تعالى في سورة إبراهيم :
« إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ »
« 2 »
.
والذي يتلخّص من استعمالات هذه اللفظة أنّ حدّها أنّها نوع تخصيص بسبب داع لأحد أمرين بينهما بدليّة بالوقوع ، « 3 » وهو أعمّ مفهوماً من العزم والإحداث والترك ، ومن الأمر والنهي ، والميل والشوق والتمنّي ونحو ذلك .
ومن استعمالاتها قوله تعالى في سورة النحل :
« لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ »
« 4 » ، وقوله فيها :
« وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ »
« 5 »
.
( وَعِلْمُ اللَّهِ السَّابِقُ الْمَشِيئَةَ « 6 » ) ؛ بالنصب على المفعوليّة لاسم الفاعل ؛ لأنّه مع اللام . « 7 »
هامش
( 1 ) . مراده من قوله : « ألا ترى أنّك إلى آخره » أي : ألا ترى أنّك تقول : سأفعل كذا إن شاء اللَّه ، ولا تقول : سأفعل كذا إن علم اللَّه .
( 2 ) . إبراهيم ( 14 ) : 19 .
( 3 ) . في حاشية « أ » : « متعلّق بتخصيص ( سمع ) » .
( 4 ) . النحل ( 16 ) : 31 .
( 5 ) . النحل ( 16 ) : 35 .
( 6 ) . في الكافي المطبوع : « للمشيئة » .
( 7 ) . في حاشية « أ » : « قوله : لأنّه مع اللام ، إشارةٌ إلى دفع توهّم هو أنّه لا يجوز النصب هنا ، لأنّ اسم الفاعل هنا ماض معنى ، ومثله لا يعمل النصب على الأصحّ . وحاصل الدفع أنّ عدم الجواز إنّما هو إذا كان اسم الفاعل مجرّداً عن اللام ، ولما كان هنا مع اللام جاز عمله النصب على ما بيّن في محلّه ؛ فتأمّل ( مهدي ) » .