شرح
يُعرف ذاته ، فخلق الخلق ليُعرف على ما دلّ عليه الحديث القدسي وهو قوله تعالى : كُنْتُ كَنْزاً مَخْفِيّاً فَأَحْبَبْتُ أَنْ اعْرَفَ فَخَلَقْتُ الخَلْقَ لِاعْرَفَ « 1 » . انتهى .
ولا يمتنع أن يكون تلك الأفعالُ - التي فعلها لأجل ذاته المقدّسة بالقصد الأوّل وبالذات - معلّلة بأمور أخرى بالقصد الثاني وبالتبع ، وذلك كما إذا أراد أحد منّا أن يسافر إلى بلد ليحصّل العلم ، ولا يمكن له الوصول إلى ذلك البلد إلّابمركوب فاشترى للوصول إليه مركوباً يوصله إليه ، فيكون اشتراء ذلك المركوب معلّلةً أوّلًا وبالذات بتحصيل العلم وهو الباعث على ذلك حقيقة ، ومعلّلةً ثانياً وبالتبع بالوصول إلى البلد ، وحينئذٍ لو قيل : إنّ اشتراء هذا المركوب لأجل تحصيل العلم لصحّ ، ولو قيل : لأجل الوصول إلى البلد لصحّ ، كلّ بوجه وجيه .
فعلى هذا لا يبعد أن يقال : إنّ الواجب الحقّ - تعالى شأنه - أوجد العالم بتمامه لأجل ذاته المقدّسة بأحد الوجهين المذكورين ، ولمّا لم يكن انتظام العالم ونظامه إلّاعلى هذا النحو الواقع من إيجاد كلّ واحد من أجزائه على وجه خاصّ ونحو مخصوص ، أوجد كلّ واحد منها لا محالة على هذا الوجه الواقع هو عليه لأجل مصالح العالم ومنافعه ، فما هو الباعث
هامش
( 1 ) . ورد الحديث مرسلًا في بعض كتب العرفان والتصوّف والفلسفة مثل : جامع الأسرار ، ص 102 و 144 و 159 و 162 و 601 ؛ الحكمة المتعالية لصدر المتألّهين ، ج 2 ، ص 285 وج 6 ، ص 301 ، وفي عدّة من شروح فصوص الحكم ، وفي مواضع من مصباح الانس ؛ وأورده المجلسي الأوّل في بعض آثاره . وأورده الرازي في تفسيره ، ج 28 ، ص 234 . وورد في التفسير المنسوب لابن عربي ، ج 2 ، ص 123 . وأورده النراقي في جامع السعادات ، ج 1 ، ص 99 و 110 ؛ والنوري في نفس الرحمان ، ص 237 ؛ والبرسي في مشارق أنوار اليقين ، ص 39 .
وقال العجلوني في كشف الخفاء ، ج 2 ، ص 132 ، ح 2016 : « قال ابن تيمية : ليس من كلام النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - ولا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف » وتبعه الزركشي والحافظ ابن حجر في اللآلي والسيوطي وغيرهم . وقال القاري : « لكن معناه صحيح مستفاد من قوله تعالى :« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ »أي ليعرفوني ، كما فسّره ابن عبّاس رضي اللَّه عنهما ، والمشهور على الألسنة : كنت كنزاً مخفيّاً فأحببت أن اعرف . . . وهو واقع كثيراً في كلام الصوفيّة ، واعتمدوا وبنوا عليه اصولًا لهم » .