شرح
وأمّا ثانياً فلأنّ الكلام ليس في مصالح الأفعال « 1 » الصادرة عن تلك الأجزاء حتّى يمكن أن يقال : مراعي تلك المصالح إنّما هو طبائعها ، بل الكلام في وجودها ووقوعها بالأنحاء الخاصّة ، والوجوه المخصوصة التي من جملتها كونها ذا طبائع خاصّة مخصوصة .
والحاصل أنّ وقوعها بهذه الطبائع المخصوصة مثلًا بحيث يترتّب عليها « 2 » تلك الحِكَم والمصالح يدلّ على أنّ وجودها بهذه الوجوه المخصوصة - التي من جملتها كونها ذا طبائع خاصّة - معلّلة بتلك الحِكَم والمصالح ، فلا بدّ لها بالضرورة من فاعل مراعٍ لتلك الحِكَم غير طبائعها وهو ظاهر ، وغير طبيعة الكلّ بما هو كلّ أيضاً ، كيف لا ، وطبيعة الكلّ بما هو كلّ إمّا متأخّرة عن وجود الأجزاء بهذه الوجوه المخصوصة ، أو هي معها ، وعلى كلا التقديرين لا يمكن أن تكون مراعياً « 3 » لمصالح وجود الأجزاء أصلًا على ما لا يخفى على اولي النهى ؛ فافهم « 4 » .
فإن قلت : إنّ طبيعة الكلّ متأخّرة عن وجود موادّ الأجزاء ، أو معها لكن لا نسلّم أنّها متأخّرة عن طبيعة الأجزاء ، أو معها في الوجود ، لِمَ لا يجوز أن يكون مصدر طبيعة الأجزاء طبيعة الكلّ بما هو كلّ ، فيكون مراعياً لتلك الحِكَم والمصالح التي اشتملت عليها الأجزاء لصدور الطبائع « 5 » الجزئيّة التي يترتّب عليها تلك الحِكَم والمصالح في الحقيقة منها ، فإنّ الطبيعة الكلّيّة في عرفهم قوّة سارية في الأجسام الطبيعيّة السِفْليّة والأجرام العِلْويّة ، فاعلة لصورها المنطبعة في موادّها الهيولانيّة على ما صرّح به بعض المحقّقين .
هامش
( 1 ) . في النسخة : « أفعال » .
( 2 ) . أي على الطبائع .
( 3 ) . الأولى : « مراعية » .
( 4 ) . في هامش النسخة : بيان ذلك أنّ الطبيعة - سواء كانت كلّيّة أو جزئيّة - لكونها قوّة جسمانيّة تكون مع المتّصل بالذات ، أو مؤخّرة عنه ، وإلّا يلزم صيرورة المجرّد ماديّاً ، وهو ممنوع على ما حقّق في مظانّه و . . . على التقدير الثاني ظاهر ، وكذا على التقدير الأوّل ؛ لأنّ كلّ أمر يكون مع الآخر معيّة بالذات يكون ممكناً ؛ لامتناع المعيّة بين الواجبين ، وبين الواجب والممكن على ما حقّق في موضعه ؛ فتدبّر ( منه عفي عنه ) .
( 5 ) . في النسخة : « طبائع » .