شرح
حقيقة لإيجاد أجزاء العالم على الوجوه المخصوصة ليس إلّاذاته المقدّسة ، وحصول تلك المصالح والمنافع إنّما هو الباعث الثانوي ، فهو ما لأجله الفعل ثانياً وبالتبع ، فلا يلزم استكماله تعالى بالغير ؛ إذ الاستكمال لو لزم فإنّما يلزم بما يكون الفعل لأجله أوّلًا وبالذات ، لا بما يكون الفعل ثانياً وبالتبع .
وكذا لا يلزم انفعاله تعالى عن الغير وتأثير الغير في ذاته المقدّسة ، فإنّ الباعث والموجب حقيقة وبالذات لفعله إنّما هو ذاته المتعالية لا الغير ، والمصلحة إنّما هي موجب وباعث « 1 » ثانياً وبالتبع ، فلا يلزم انفعاله عن الغير حقيقة ؛ فاعرف ذلك فإنّه الحقّ الحقيق بالتصديق .
وممّا حقّقناه تبيّن وظهر أنّه لا حاجة إلى تأويل الآيات والأحاديث الصريحة في أنّ بعض أفعاله معلّلة « 2 » بالغرض بمجرّد ترتّب ذلك الغرض عليها بدون أن يكون تلك الأفعال لأجله ، بل ينبغي أن لا تصرف « 3 » عن ظواهرها ؛ إذ لا محذور في التزام كون تلك الأفعال لأجل غرض أصلًا كما عرفت ، كيف ، وإنّا نعلم بالضرورة أنّ إيجاب بعض الحدود والكفّارات على المرتكبين لبعض المنهيّات من اللَّه تعالى ليس إلّالغرض الانزجار عن تلك المعاصي ، والمنازعُ مكابرٌ ، وكذا نعلم يقيناً عند التأمّل في منافع أعضاء الإنسان بل الحيوان والنبات لأجل تلك المنافع ، وكذا لا يشكّ المتدبّر في كيفيّة خلق السماوات والأرض أنّ خلقها على تلك الوجوه المخصوصة الواقعة هي عليها إنّما هي لحِكَم ومصالح لا تعدّ ولا تحصى ، ومن أنكر فقد كابر مقتضى عقله ، ويلزم من القول بأنّ أفعاله تعالى ليست معلّلة بالأغراض مطلقاً - كما هو مذهب أكثر الأشاعرة - أن لا يكون الواجب الحقّ - تعالى شأنه - حكيماً أصلًا ، ولا مستحقّاً للحمد على ما صرّح به بعض المحقّقين من أهل السنّة وهو أبو العبّاس أحمد بن تيميّة في بعض رسائله حيث قال ما ملخّصه :
وأمّا نفاة الحكم والأسباب من مثبتة القدر فهم في الحقيقة لا يثبتون له حمداً كما لا
هامش
( 1 ) . كذا . والأولى : « موجبة وباعثة » .
( 2 ) . كذا . ولعلّ الصواب : « معلّل » .
( 3 ) . في النسخة : « يصرف » .