شرح
المصالح والحكم دون نحو ووجه آخر لا يؤدّي إليها ليس إلّالأجل تلك المصالح والغايات بالضرورة ، ولم يبق له ريب وشكّ في أنّ وجود كلّ منها بهذا النحو المخصوص معلّل « 1 » بتلك الحِكَم والمصالح ، وأنّ وقوعه على هذا الوجه المخصوص - مع أنّه يمكن أن لا يقع على هذا الوجه - ليس إلّالهذه الغايات ، وليس ترتّب تلك الغايات عليه باتّفاقي محض ، ومَن توقّف في هذا الحكم فقد خرج عن الفطرة الإنسانيّة .
قال المعلم الأوّل : إنّ النظام البديع - الذي توجد لأجزاء العالم بعضها مع بعض - يدلّ على أنّ العالم ليس وجوده بالاتّفاق والبخت « 2 » .
وقد قال الشيخ في الشفاء : من تأمّل منافع أعضاء الحيوان وأجزاء النبات لم يبق له شكّ في أنّ الأمور الطبيعيّة لغاية « 3 » . وكذلك نحن نقول : من تأمّل منافع أجزاء العالم ومصالحها وغاياتها ، لم يبق له ريب في أنّها لهذه الغايات والحِكَم والمصالح .
ثمّ لا ريب في أنّه لو لم يكن تلك المصالح والمنافع والحِكَم مقتضية لوجوده بهذا النحو والوجه المخصوص ، لما حكم العقل بأنّ وجوده بهذا الوجه الخاصّ لأجلها ومعلّل بها أصلًا . قال المحقّق الطوسي في شرحه للإشارات :
استناد الأفعال الطبيعيّة إلى غاياتها الواجبة مع القول بالعناية الإلهيّة على الوجه
هامش
( 1 ) . في النسخة : « معلّل » .
( 2 ) . اثولوجيا ، ص 127 .
( 3 ) . الشفاء ، ص 438 - 439 ، الفصل الأوّل ، قال : « وإذا شئت أن تعلم أنّ الأمور التي عقلت نافعة مؤدّية إلى المصالح قدأوجدت في الطبيعة على النحو من الإيجاد الذي علمته وتحقّقته ، فتأمّل حال منافع الأعضاء في الحيوانات ، وأنّ كلّ واحد كيف خلق . وليس هناك البتّة سبب طبيعي مبدؤه لا محالة من العناية على الوجه الذي علمت العناية » .
وقال في ص 415 ، الفصل السادس : « ولا لك سبيل إلى أن تنكر الآثار العجيبة في تكوّن العالم وأجزاء السماوات وأجزاء الحيوان والنبات ممّا لا يصدر ذلك اتّفاقاً ، بل يقتضي تدبيراً ما ، فيجب أن يعلم أنّ العناية هي كون الأوّل عالماً لذاته بما عليه الوجود في نظام الخير ، وعلّة لذاته للخير والكمال بحسب الإمكان ، وراضياً به على النحو المذكور ، فيعقل نظام الخير على الوجه الأبلغ في الإمكان ، فيفيض عنه ما يعقله نظاماً وخيراً على وجه الأبلغ الذي يعقله فيضاناً على أتمّ تأدية إلى النظام بحسب الإمكان ، فهذه هو معنى العناية » .