شرح
بالقياس إلى بعض النظريّات في مرتبة العقل الهيولاني ، وإلى بعضها في مرتبة العقل بالملكة ، وإلى بعضها في مرتبة العقل بالفعل ، وإلى بعضها في مرتبة العقل المستفاد .
وقد يعتبر العقل بالفعل بالقياس إلى جميع المدركات النظريّة أو أكثرها ، وذلك المعنى ما هو المأخوذ في تعريف الحكمة ، كما سيجيء « 1 » .
وقد يعتبر العقل المستفاد بالقياس إلى جميع المدركات معاً ، وهو أن يصير جميعها حاضراً مشاهداً بحيث لا يغيب شيء منها أصلًا ، وهو بهذا المعنى يكون في دار القرار ، وفي دار الدنيا أيضاً للنفوس القويّة التي لا يشغلها شأن عن شأن ، فكأنّهم في جلابيبَ « 2 » من أبدانهم قد نضوها « 3 » وانخرطوا في سلك المجرّدات التي تشاهد معقولاتها دائماً ، فهو بهذا المعنى إنّما يكون غاية المراتب ومنتهاها .
وأمّا إذا اخذ بالقياس إلى كلّ مدرك ، فباعتبار الحدوث مقدّم على العقل بالفعل ، وباعتبار البقاء مؤخّر عنه .
أمّا الأوّل ، فلأنّ العقل بالفعل استعداد لاسترجاع الكمال واسترداده ، فهو متأخّر في الحدوث عن العقل المستفاد ؛ لأنّ المدرك ما لم يشاهد مرّاتٍ كثيرة لا يصير ملكة .
وأمّا الثاني ، فلأنّ المشاهدة تزول بسرعة ، فتبقى ملكة الاستحضار مستمرّة ، فيتوصّل بتلك الملكة إلى مشاهدته مرّة بعد أخرى لينتهي إلى بقاء المشاهدة واستمرارها ، فمنهم من نظر إلى التقدّم في الحدوث ، فجعله مرتبة ثالثة ، ومنهم من نظر إلى التأخّر في البقاء ، فجعله مرتبة رابعة ، والعلّة في وجه جعله المرتبة الرابعة اعتباره بالقياس إلى جميع المدركات معاً ، كما مرّ آنفاً ؛ هذا .
اعلم أنّ للعقل العملي أيضاً أربعَ مراتبَ :
هامش
( 1 ) . سيجيء في ص 39 .
( 2 ) . في هامش النسخة : الجلباب كسِرداب : القميص ( ق ) . القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 173 ( جلب ) .
( 3 ) . في هامش النسخة : نَضَاهُ من ثوبه : جرّده ( ق ) . القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 574 ( نضو ) .