شرح
وجوده لا يوجب وجوده إلّا بالبرهان .
والتوحيدُ الذي بعث الأنبياء كلّهم لدعوة الخلق إليه ليقولوا : « لا إله إلّااللَّه » إنّما هو التوحيد الشرعي الذي عبارة عن نفي الشريك في استحقاق العبادة وغاية الخضوع والتذلّل ، فإنّ المشركين كعبدة الكواكب والأصنام يعتقدون أنّها آلهة ، بمعنى أنّها مستحقّة للعبادة باعتبار أنّها شفعاءُ لهم بزعمهم عند ربّ الأرباب ، وإله الآلهة الذي هو الصانع الواحد للعالم ، ووسائطُ بينهم وبينه تعالى . وهذا ممّا لا يستقلّ العقل بمعرفته لا بالبديهة ولا بالنظر ، ويحتاج إلى تعليم الشارع .
وأمّا وحدة صانع العالم فبديهيّ مركوز في الأذهان كوجوده ، لا ينكره أحد ممّن يعتدّ به ، وهي« فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها »« 1 » ولذلك قال اللَّه تعالى :« وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ »« 2 ».والثنويّة لعنهم اللَّه يكابرون بألسنتهم لمقتضى عقولهم ، ويجحدون للشبهة الطارئة لهم ما في قلوبهم ، وهل هذا الإنكار بالنسبة إلى بعضهم كإنكار بعض الزنادقة خذلهم اللَّه تعالى أجمعين في أصل وجوده تعالى إلّاكالوسواس في النيّة ؟ وأدنى تنبيه يكفيهم في رفع وسواسهم وإقرارهم بالحقّ إن لم يعاندوا ويجادلوا بألسنتهم .
على أنّ طائفة كثيرة ممّن يحذو حذوهم - من القائلين بوجود الأصلين من النور والظلمة ويزدان وأهرمن - قائلون بوحدة صانع الكلّ ؛ فإنّ المجوس الأصليّة زعموا أنّ النور أزلي ، والظلمة محدثة مخلوقة للنور ، والكيومرثيّة أثبتوا أصلين : يزدان وأهرمن ، وقالوا : « يزدان أزلي قديم ، وأهرمن محدث مخلوق » قالوا : « إنّ يزدان فكّر في نفسه أنّه لو كان له منازع كيف يكون ، وهذه الفكرة رديئة غير مناسبة لطبيعة النور ، فحدث الظلام من هذه [ الفكرة ] « 3 » ، وسمّي أهرمن ، فكان مطبوعاً على الشرّ والفتنة والفساد والضرر والإضرار » .
هامش
( 1 ) . الأنعام ( 6 ) : 79 .
( 2 ) . لقمان ( 31 ) : 25 ؛ الزمر ( 39 ) : 38 .
( 3 ) . أثبتناه من الملل والنحل .