شرح
والزروانيّة قالوا : « إنّ النور أبدع أشخاصاً من نور كلّها روحانيّه نورانيّة ربّانيّة ، ولكنّ الشخص الأعظم الذي اسمه زروان شكّ في شيء من الأشياء ، فحدث أهرمن الشيطان من ذلك الشكّ » « 1 » .
والزرادشتيّة قالوا : « البارئ تعالى خالق النور والظلمة ومبدعهما ، وهو واحد لا شريك له » « 2 » .
ثمّ بعد ذلك حصلت لبعضهم شبهة وهي أنّ النور ويزدان خيّر فكيف يصبح صدور الظلمة وأهرمن الذي هو مبدأ لجميع الشرور والآفات عنه ؟ » وقالوا : « لو كان كذلك يلزم أن يكون واحد خيّراً وشريراً ، وهذا غير جائز » فلمّا عجزوا عن دفعها نازعوا لما في أنفسهم بلسانهم ، وقالوا بقدم الظلمة وأهرمن وعدم صدوره عن شيء وسمّيت بالثنويّة « 3 » . وافترقوا بفرق من المانويّة والديصانيّة والمَرقوبيّة والكَيْنويّة ، وقد مرّ دفع شبهتهم .
ولا يذهب عليك أنّ هذا الجحد اللساني لا ينافي لبداهة وحدة صانع العالم المركوزة في الفطرة الإنسانيّة ، وقد صرّح ببداهة ذلك جمع من المحقّقين ، قال بعض الفضلاء :
العالم كلّه أجلى قائد للعقل إلى وجود الصانع ووحدته ، وإدراك هذا المعنى مركوز في الجبلّات ، وهو الذي يضطرّهم إلى دعاء اللَّه في مواقع الحاجات والضرورات ، فإنكار المنكرين وجحود الجاحدين إنّما هو من خذلان ربّ العالمين . انتهى .
وبالحريّ أن نذكر هنا تنبيهات مزيلة للشبهات الفاسدة والأوهام الكاسدة :
منها : قوله تعالى :« لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا »« 4 » لعلّ معناه أنّه لو تعدّد الإله الخالق للعالم الصانع له لفسد العالم ، وخرج عن النظام الذي هو عليه ، وبطل الارتباط الذي « 5 » بين أجزاء العالم ، واختلّ نظمها واتّساقها فلم يكن بينها هذا النظام والانتظام ، ولم يحصل ذلك
هامش
( 1 ) . قاله الشهرستاني في الملل والنحل ، ج 1 ، ص 233 - 234 .
( 2 ) . الملل والنحل ، ج 1 ، ص 237 .
( 3 ) . الملل والنحل ، ج 1 ، ص 244 .
( 4 ) . الأنبياء ( 21 ) : 22 .
( 5 ) . في النسخة : « التي » .