شرح
فالفرع الثابت بذلك الخبر أيضاً من هذا القبيل من أنّه مستند إلى الكتاب بواسطة واحدة ، ولو ثبت بالإجماع فالفرع المذكور مستند إليهما بواسطتين ؛ لأنّه مستند إلى خبر الواحد المستند إلى الإجماع المستند إليهما ، ولا ينافي ذلك كذب الراوي في الواقع ؛ لأنّ الحكم أعمّ من الواقعي والواصلي ، ولا نتعبّد في أكثر الفروع إلّابالحكم الواصلي ، سواء كان واقعياً أيضاً ، أم لا .
وتفصيل المقام أنّ جواز التعبّد بخبر الواحد ثابت بالإجماع عندنا . وأمّا وقوعُ التعبّد به - يعني إيجاب الشارع العمل بمقتضاه - مختلفٌ فيه بيننا وبين العامّة ، فمنعه المرتضى وابن زهرة وابن البرّاج وابن إدريس « 1 » وفاقاً لكثير من قدمائنا ، وقال به المتأخّرون وكثير من قدمائنا رضوان اللَّه عليهم .
واستدلّ المثبتون عليه بوجهين :
أحدهما : دلالة ظواهر الكتاب عليه كقوله تعالى في سورة الحجرات :« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا »« 2 » أي فتعرّفوا وتفصّحوا ، وقرأ حمزة والكسائي : « فَثَبَّتُوا » « 3 » أي فتوقّفوا إلى أن يتبيّن لكم الحال ، وقولِه تعالى في سورة التوبة :« فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ »« 4 » وقوله تعالى في سورة البقرة :« إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ »« 5 » - « 6 » .
هامش
( 1 ) . نقله عنهم الشيخ الأنصاري في فرائد الأصول ، ج 1 ، ص 240 ، وفي هامش ورد مصادره .
( 2 ) . الحجرات ( 49 ) : 6 .
( 3 ) . التبيان ، ج 3 ، ص 297 ، في ذيل آية 94 من سورة النساء ، وفيه : « وقرأ أهل الكوفة إلّاعاصماً « فتثبتوا » بالثاء ، من الثبوت في الموضعين هاهنا وفي الحجرات » . وكذا قال في مجمع البيان ، ج 3 ، ص 162 .
( 4 ) . التوبة ( 9 ) : 122 .
( 5 ) . البقرة ( 2 ) : 159 .
( 6 ) . في هامش النسخة : لا يخفى عليك دلالة هذه الآية على جواز لعن الذين يكتمون أمر خلافة عليّ عليه السلام بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، وقد بيّنها اللَّه تعالى للناس في الكتاب والسنّة بلسان النبيّ صلى الله عليه وآله مراراً ( منه عفي عنه ) .