قال : « يُنظرُ ، فما وافَقَ حكمُه حكْمَ الكتاب والسنّة وخالَفَ العامّةَ ، فيُؤخَذُ به ، ويُترَكُ ما خالَفَ حكمُهُ حكمَالكتاب والسنّة ووافَقَ العامّة » .
قلت : جُعلت فداك ، أرأيتَ إن كان الفقيهان عَرَفا حُكمَه من الكتاب والسنّة ، ووَجَدْنا أحدَ الخبَريْنِ موافقاً للعامّة والآخَرَ مخالفاً لهم ، بأيّ الخَبَرَيْنِ يُؤخَذُ ؟
شرح
وتخصيصهما بالذكر لاشتهار الروايات عنهما ، وشيوع الأخذ عن أهل البيت في زمانهما دون السابقين ؛ لشدّة التقيّة في زمانهم ، وتعلّق الأغراض بتركهم والأخذ عن غيرهم . وفي بعض النسخ : « عنهما » والضمير للحاكمين .
وقوله عليه السلام : ( يُنْظَرُ فما وَافَقَ ) إلخ ، وجه آخر للترجيح ، وهو أنّه إذا كان الخبران المتعارضان مشهورين غلب الظنّ بصحّتهما ، ويكون أحدهما موافقاً للكتاب والسنّة الثابتة المقطوع بها باحتمال الدخول في المراد منهما ، والكون من محاملهما عندنا ، لا بأن يكون ممّا يدلّ عليه صريحهما ، وإلّا فلا عبرة بالترجيحات السابقة واللاحقة ؛ لدلالة الدليل القطعي على ذلك ، وتعيّن العمل به ، وعدم الاعتبار بما يخالفه بوجه من الوجوه .
أو موافقاً للسنّة المظنون ثبوتها - والسنّة هي قول النبيّ ، أو فعله ، أو تقريره ، والمراد بها هاهنا الحديث النبوي - ويكون الآخر موافقاً للعامّة ، أي لمذاهب المخالفين وآرائهم للتقيّة ، فيؤخذ الموافق لهما المخالف للعامّة ، ويترك المخالف لهما الموافق لهم .
وفي قوله : ( وخالف العامّة ) إشارة إلى أنّ أحكامهم مخالفة للكتاب والسنّة غالباً وإن لم يفهموه ، فإنّ كلّ شيء مذكور في الكتاب والسنّة إلّاأنّه لا يبلغه عقول الرجال .
وقوله : ( أرأيت ) أي أخبرني ( إن كان الفقيهان عرفا ) أي بزعمهما ، حكمه من الكتاب والسنّة المقطوع بها ، بأن أخذ كلّ واحد منهما حكمه منهما بنوع من التوجيه والحمل .
وقيل : يحتمل أن يكون « عُزِفا » بالزاي المعجمة على صيغة المجهول مِن عزفت الشيء ، أي منعته وصرفته ، أي مُنعا حكمَه . والمقصود أنّهما لم يعرفا حكمه من الكتاب والسنّة المقطوع بها . انتهى .
ولا يخفى بُعده .