شرح
كان بينه وبين أخٍ له مماراة في حقّ ، فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه ، فأبى إلّا أن يرافعه إلى هؤلاء كان بمنزلة الذين قال اللَّه عزّ وجل :« أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ »« 1 » الآية « 2 » انتهى .
ولا يذهب عليك أنّ هذا الحديث لا يدلّ على الاستثناء المذكور وجواز الأخذ بحكم هؤلاء في صورة عدم التمكّن من الرجوع إلى أهل الحقّ ؛ لأنّ السكوت عن حال الرافع إلى هؤلاء في هذه الصورة لا يدلّ [ على ] جواز الرفع إليهم ، على أنّ جواز الرفع إليهم لا يستلزم جواز الأخذ بحكمهم ؛ لجواز أن يكون الرفع لأجل تقاصّ حقّه بالاستعانة بحكمهم ، لا لجواز الأخذ بحكمهم في هذه الصورة ، فلا وجه لتخصيص الحكم مع عموم الدليل وعدم تقييد حرمة التحاكم إليهم بصورة الاختيار . اللّهمّ إلّاأن يحمل قوله على جواز تقاصّ حقّه المعلوم له باستعانتهم ، لا أخذه لأجل حكمهم ، كما يشعر به قوله : ( فيجوز الاستعانة على تحصيل الحقّ بغير القاضي ) فتدبّر .
و « الطاغوت » على وزن لاهوت بمنزلة الرَغَبُوتِ والرَهَبُوتِ إلّاأنّه مقلوب ؛ لأنّه من طَغَا يَطْغى ويَطْغُو طُغياناً ، أي جاوز الحدّ ، وكذا طَغِيَ يَطْغى كعَلِم فهو طَغَوْت من الطَغَووت كفَعَلُوت . ولاهوت غير مقلوب ؛ لأنّه مِن لاه يليه ليهاً ، إذا تستّر وعلا وارتفع . والطاغوت قد يكون واحداً و [ قد يكون ] جمعاً ، والجمع [ الطواغيت وهو ] كلُّ رأسٍ في الضلال ، ومَرَدَةُ أهلِ الكتابِ ، سمّي بذلك لفرط طغيانهم ، أو لتشبيههم بالشيطان .
ويحتمل أن يكون المراد به هاهنا الشيطان ؛ لأنّ التحاكم إلى الجائر هو التحاكم إلى الشيطان من حيث إنّه الحامل عليه .
ويحتمل أن يكون المراد به ما عُبد من دون اللَّه كالأصنام ؛ لأنّ التحاكم إلى الجائر
هامش
( 1 ) . النساء ( 4 ) : 60 .
( 2 ) . مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام ، ج 13 ، ص 335 - 336 .