ولو قاسَ الجوهَرَ الذي خَلَقَ اللَّهُ منه آدمَ بالنار ، كانَ ذلك أكثرَ نوراً وضياءً من النار » .
شرح
وليعلم أنّ إبليس لم يفعل زائداً على ما يفعله أهل القياس ؛ فإنّه لم يكن قياسه في مقابله نصّ بل كان في مقابله ظاهر عموم خصّصه بالقياس ، فإنّه سمع الخطاب « 1 » العامّ لجمع هو أحدهم أن« اسْجُدُوا لِآدَمَ »« 2 » ، فظنّ أنّه خارج عن المراد وإن كان داخلًا في ظاهر الخطاب بأن قاس نفسه بآدم فيما وقع الخلق منه ، وظنّ أنّ علّة الحكم شرف المخلوق منه ، ورأى أنّ ما خلق هو منه زائد في الشرف على ما خلق آدم منه ، فظنّ أنّ أمره بالسجود له قبيح ليس مراد اللَّه تعالى .
وقوله عليه السلام : ( فلو قاس الجوهَرَ الذي خَلَقَ اللَّهُ منه آدمَ بالنار ، كان ذلك أكثر نوراً وضياءً من النار ) المراد بذلك الجوهر هو نور عظمته الذي خلق منه روح آدم ، كما سيجيء في باب خلق أبدان الأئمّة وأرواحهم وقلوبهم .
وبعبارة أخرى هو الجوهر العقلاني الذي خلق اللَّه تعالى منه نفس آدم ، ولا شكّ في أنّ ذلك الجوهر أكثر نوراً وضياءً ، وأشرف وأكرم وأكمل من الجوهر الذي خلق نفس الشيطان وسائر الجانّ منه ومن النار الذي خلق أبدانهم منه ، كيف ، ومن أوصافه ما يظهر به ما لا يظهر بالنار كالمعقولات ، وبه يظهر كلّ ما يظهر بالنار كالمحسوسات ، فهو أكثر نوراً وضياءً من النار .
فحاصل الحديث أنّ القياس وإن كان باطلًا في الدين والشريعة في نفسه ، ولم يكن الحكم بسجود آدم إلّالحكمة ومصلحة مخفيّة لا يعلمها إلّااللَّه ، ولم يكن علّته شرافة عنصره ومادّته التي خلق منها ، كما ظنّه إبليس وقاس وتمرّد ، فمع ذلك غلط إبليس في قياسه ؛ لأنّ الشرافة إنّما تكون باعتبار النفس لا باعتبار البدن الذي هو آلتها وكالثوب لها ، فعلى تقدير تسليم علّية شرافة ما خلق منه للسجود لكان النظر الصحيح يقتضي قياس ما خلق منه نفس آدم على ما خلق منه نفسه ، أو على ما هو الأشرف من سنخ نفسه وعنصر بدنه على سبيل التنزّل والمماشاة ، ولا شكّ في أنّ ما خلق منه نفس آدم أشرف وأضوأ وأنور
هامش
( 1 ) . في النسخة : « خطاب » .
( 2 ) . الأعراف ( 7 ) : 11 ، وكذا وردت في آيات اخر .