رفعه ، أنَّ أميرَ المؤمنين عليه السلام قال في بعض خُطَبه : « أيّها الناس ، اعلَموا أنّه ليس بعاقل من انْزَعَجَ من قول الزور فيه ، ولا بحكيم من رضي بثناء الجاهل عليه ؛ الناس
شرح
وقوله : ( اعلموا أنّه ليس بعاقل من انْزَعَجَ من قول الزور فيه ) يقال : أزعجه ، أي أقلقه وقلعه من مكانه وانزعج بنفسه ، ويكون ذلك للمكروه وللمحبوب .
و « الزور » : الكذب ، أي ليس بعاقل من قلق ، وخرج من مكانه من قول الكذب والمائل عن الحقّ فيه ، أو في صديقه ، أو في عدوّه - ذمّاً كان أو مدحاً - ؛ لأنّه إذا كان فيه كمال ونفاه الكاذب ، أو لم يكن فيه منقصة وأثبتها له ، لم ينتف عنه بذلك القول كماله ، ولم يحصل له به منقصة ، بل إنّما يحصل للكاذب منقصة واستحقاق العذاب ، وكذا إذا لم يكن فيه كمال وأثبته له ، أو كان فيه منقصة ونفاها عنه ، لم يحصل له بذلك القول كمال ، ولم ينتف عنه به المنقصة ، وكذا الحال في صديقه وعدوّه ، فالعقل يمنع من الانزعاج بما يعلم عدم ضرّه من قول الزور في ذمّه ، وبما يعلم عدم نفعه من قول الكذب في مدحه .
وقوله عليه السلام : ( ولا بحكيم من رضي بثناء الجاهل عليه ) لأنّ الحكيم عالم بأسباب الأشياء ومسبّباتها ، ويعلم مخالفة الجهل والجاهل للعلم والعالم ، ويعلم أنّ التخالف يوجب التنافر في الطبائع ، فيعرف أنّ الجاهل لا يحبّ العالم ، ولا يميل إلّاإلى مُشاكله ، ولا يثني من خلوص الاعتقاد إلّاعلى الجاهل ، فثناؤه عليه إمّا لأن يعتقد جهله ومناسبته له ، وإمّا لأن يستهزئ به باعتقاده ، أو لأن يخدعه باعتقاده ، وظاهر أنّ الحكيم لا يرضى بشيء من ذلك ، فالحكمة لا تجامع الرضا بثناء الجاهل ، والعقل لا يجامع الانزعاج من قول الزور ، فظهر أنّ الانزعاج من قول الزور أقبح من الرضا بثناء الجاهل ؛ لأنّ الأوّل يدلّ على عدم العقل ، والثاني على عدم الحكمة ، هذا .
ثمّ أقول : يمكن تفسيره بوجه آخر وهو أنّه لمّا كان الجاهل عاجز [ اً ] عن حقّ إدراك العلم والحكمة والصفات الكماليّة التي يتّصف الحكيم بها بل كلّ ما يتصوّره من تلك الكمالات فإنّما يتصوّره على وجه هو في الواقع منقصة ، فثناؤه عليه إنّما هو بالمعاني المذمومة التي تصوّرها من تلك الكمالات وقَصَدَها بالعبارات الدالّة على الثناء ففي