وَجِلًا داعِياً مُشفِقاً ، مُقبِلًا على شأنه ، عارفاً بأهل زمانه ، مُسْتَوْحِشاً من أوثق إخوانه ، فشدَّ اللَّهُ من هذا أركانَه ، وأعطاه يومَ القيامة أمانَه » .
وحدَّثني به محمّدُ بن محمودٍ أبو عبداللَّه القزوينيّ ، عن عدَّة من أصحابنا منهم جعفر بن محمّد الصيقل بقزوين ، عن أحمد بن عيسى العَلَوِيّ ، عن عَبّاد بن صُهَيب البصريّ ، عن أبي عبداللَّه عليه السلام .
شرح
يكون منظور قلبه في بعض الأحيان دفع عقاب ، أو نيل ثواب مثلًا بتلك العبادة ، وذلك ينافي الخلوص والقربة ، ومن عدم دوامها وزوالها في أثناء عمره وغير ذلك من الأخاويف .
( داعياً ) أي طالباً منه سبحانه توفيقه للاهتداء بالهداية والثبات على الإيمان ونيل العفو والمغفرة والسعادة الأبديّة .
( مشفقاً ) أي خائفاً من الانتهاء إلى الضلال والشقاء وفساد الاعتقاد وسوء العاقبة .
ويحتمل أن يكون معناه داعياً لغيره ممّن له استعداد وقابليّة للاهتداء إلى الحقّ ، سواء كان بحسب النطق والمقال ، أو بلسان الحال ، فإنّ بعض الناس من أهل السعادة إذا رأى من أحد حسن العبادة مال إليه واقتفى أثره ، فكأنّ حسن عبادته دعوة لغيره إلى ذلك مشفقاً ناصحاً لغيره من أهل الاستعداد بدعوته إلى الحقّ بالمقال ، أو بلسان الحال .
وعلى هذا فالمشفق بمعنى الشفيق من الشفق بمعنى حرص الناصح على إصلاح المنصوح .
( مقبلًا على شأنه ) وإصلاح حاله ، حذراً ممّا يشفق ويخاف منه .
( عارفاً بأهل زمانه ) فلا ينخدع ولا يغترّ بهم .
وأيضاً يعلم أنّ أكثرهم أهل الباطل لا يؤثّر فيهم الكلام ، ولا يحفظون الأسرار فيتحرّز عنهم ( مستوحشاً من أوثق إخوانه ) لما يعرف من أهل زمانه من الخداع والنفاق والبطلان والإفساد وإفشاء الأسرار فلا يطّلعه على سرّه ؛ لأنّه ينافي كمال التقيّة .
وقوله عليه السلام : ( فشدّ اللَّه ) إلخ أي فشدّ اللَّه من هذا العالم ( أركانه ) أي أصلح حاله في الدنيا بإفاضة المعرفة وإكمال العقل ، وتمكّنه من إعمال العلم والعمل على وفقه ، وأصلح حاله في الآخرة بإعطاء الأمان على طبق ما كان يطلب العلم له خير جزاء في الدنيا والآخرة .