ولا تُرخِّصوا لأنفسكم فَتُدهِنوا ، ولا تُدهِنوا في الحقّ فتَخْسَروا ، وإنَّ من الحقّ أن تَفَقَّهوا ، ومن الفقه أن لا تَغتَرُّوا ، وإنَّ أنصحَكم لنفسه أطوَعُكم لربّه ، وأغَشَّكم لنفسه أعصاكم لربِّه ، ومن يُطِعِ اللَّهَ يأمَنْ ويَسْتَبْشِرْ ، ومن يَعْصِ اللَّهَ يَخِبْ ويَنْدَمْ » .
شرح
العلم « فتكفروا » أي يوصلكم إلى ستر الحقّ ، أو ينتهي أمركم إلى الشكّ فيما يكون الشكّ فيه كفراً كالشكّ في أصول الديانات وضروريات الدين وما يحذو حذوهما .
وقوله عليه السلام : ( ولا تُرخِّصوا لأنفسكم ) أي لا تسهّلوا لأنفسكم أمر الإطاعة والعصيان ، ولا تخفّفوا عنها ما شدّد اللَّه عليها من حقوقه ( فتدهنوا ) أي تظهروا وتقولوا خلاف ما تضمرونه « 1 » ، أو تُلَيّنوا عند إظهار الباطل ولا تنكروه ، أو تَغِشّوا الحقّ بترك المبالاة به .
قال في القاموس : « المداهنةُ إظهارُ خلافِ ما يُضمَرُ كالإدهان ، والغِشُّ » . « 2 »
وقوله : ( ولا تُدهِنوا في الحقّ فتَخْسَروا ) أي لا تدهنوا فيما تعرفونه بالحقّيّة فتخسروا ، أي يحصل لكم النقص في المعرفة الحاصلة لكم ، أو في إيمانكم ، أو يذهب الحقّ من يدكم بالكلّيّة ، ويحصل الإدهان فيها عوضَه .
وقوله عليه السلام : ( وإنّ من الحقّ أن تَفَقَّهُوا ) الأصل أن تتفقّهوا حذفت إحدى التاءين ، أي من جملة حقوق اللَّه - الذي أوجبه عليكم بالعلم الذي يجب العمل به وهو قوله تعالى« فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ »« 3 » الآية - أن تفقّهوا ، والتفقّه تعلّم الفقه ، وتحصيل المعرفة بجميع ما هو معدود من العلوم الشرعيّة : أصولها وفروعها .
وقوله عليه السلام : ( ومن الفقه أن لا تَغتَرُّوا ) أي لا تتخدّعوا بالباطل ، ولا تطمعوا فيه .
وقوله عليه السلام : ( إنّ أنصحكم لنفسه أطوعُكم لربّه ) النصيحة خلاف الغِشّ بالكسر ، وهي إرادة الخير للمنصوح له ، وهي اسم من النُصح بالضمّ ، وهو مصدر معناه فعل النصيحة ، والغَشّ - بالفتح - إظهار خلاف ما أضمر ، والاسم منه الغِشّ بالكسر .
وقوله : ( وأغشَّكم لنفسه أعصاكم لربّه ) لأنّ دائرة العصيان لا ترجع « 4 » إلّاإلى نفس العاصي .
والخيبة : الحرمان وعدم نيل المطلوب .
هامش
( 1 ) . في النسخة : « يضمرونه » .
( 2 ) . القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 319 ( دهن ) .
( 3 ) . التوبة ( 9 ) : 122 .
( 4 ) . في النسخة : « لا يرجع » .