فالخيال يجردها تجريدا أقوى حيث يحضرها ويدركها مع غيبة المادة وأحوالها لكن لا يجردها عن التعين المقداري ، والعقل يجردها تجريدا بالغا ، فيعمل بالمحسوس عملا يجعلها معقولا كليا مفارقا بالكلية عن هذا العالم عالم الظلمة والتفرقة ، وقوله تعالى :
وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ
( ق - 21 ) ، أراد بالسائق القوة العملية والمحركة وبالشهيد القوة العلمية والمدركة .
وما من نفس الا ولها هاتان القوتان لكن على مراتب متفاوتة في الكمال والنقص والشرف والخسة والعلو والدناءة ، وأدناهما ما للحيوانات الناقصة في الغاية كالاصداف والحلزونات ، فلها من الحس اللمس فقط ومن الحركة الانقباض والانبساط من غير مفارقة مكانه ، فهذان حظها من السائق والشهيد ، وأعلاهما ما للكاملين في العلم والعمل ، وشهيدهم وسائقهم ملكان كريمان مقربان عقليان أحدهما يهديه والاخر يسدده ويسوقه إلى الجنة والرضوان ، وبإزاء هذين الملكين لأهل الهداية والكمال الشهوة والهوى لأهل الغواية والضلال ، فالهوى يضله ويغويه والشهوة يسوقه ويرديه إلى أسفل دركة الجحيم ومبدؤهما الشيطان الرجيم « 1 » .
إذا علمت معنى الشهيد فاعلم : انه قد يكون داخلا في ذات الشيء مقوما له وبالجملة غير مباين لذاته في الوجود كالأمور التي ذكرناها ، وقد يكون مباينا عن ذات الشيء وهو كالأنبياء عليهم السلام بالقياس إلى أممهم وكالأئمة عليهم السلام بالنسبة إلى اتباعهم ، فكل نبي شهيد على أمته وكل امام قوم شهيد على قومه ، وانما اوتى الشهيد
هامش
( 1 ) بنائه على ما حققه المحققون المحقون من أن كلا من النورين : النور العلمي والنور العملي يتقوى ويستكمل شيئا فشيئا بحيث يصير نورا بسيطا محيطا بجملة الأنوار التفصيلية ، فالأنوار التفصيلية يكون موجودة بضرب اشرف اجمالا وفائضة صادرة عنه تفصيلا ، ولكل منهما مرتبة هيولانية ، وبعدها مرتبة ملكة استعدادية وبعدها مرتبة يسمى بالعقل بالفعل الّذي يكون بسيطا محيطا مصدرا للصور التفصيلية التي يستفاد من ذلك البسيط المحيط الاجمالي ، وهذا البسيط المحيط له درجات متفاوتة حسب تفاوت الاشخاص واستعداداتهم فطرة وكسبا ، وغاية العملية انما هي غاية العلمية فتصير ان في المآل واحدة « نوري » .