ثم اعلم أن الأنبياء والرسل عليهم السلام ومن يحذو حذوهم من الأئمة والأولياء عليهم السلام أسباب ووسائط لهداية الناس ، وجعلهم من أهل الجنة وصيرورتهم من حدود الحيوانية إلى حدود الملكية ، كما أن الملائكة أسباب فعالة لايجاد الخلائق وما هو دونهم في رتبة الوجود ، وكما أن علمه تعالى بالموجودات الكائنة بواسطة علمه بالملائكة من العقول والنفوس وغيرها وهو معنى كونهم شهداء عند اللّه على خلقه ، فكذلك علمه بعباده المؤمنين بواسطة علمه بالأنبياء والأولياء الهادين ، فهم شهداء عند اللّه يوم القيامة على العباد .
ثم كان معرفتهم واتباعهم سبب السعادة والجنة وانكارهم وعصيانهم سبب الشقاوة والنار ، فلهم السببية على الوجهين للفريقين ، وهذا معنى كونهم قسيم الجنة والنار ، فعلمه تعالى بكل من الفريقين وأحواله وما يستحق من الثواب والعقاب انما حصل من جهة هؤلاء الشهداء بالاعتبارين المذكورين .
فهذا تحقيق كون النبي والأئمة عليه وعليهم السلام شهداء اللّه على خلقه ومعنى قوله تعالى :
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً
( النساء - 41 ) ، فاعرف قدره واغتنم فإنك لا تجده في غير هذا الكتاب .
فإذا تقرر ما ذكرناه ظهر معنى قوله عليه السلام : نحن الأعراف ، اى المعروفون بالذات المشهودون للّه بلا واسطة ، لكونهم في درجة القرب عند اللّه من درجات الصراط ومنازله التي لا بد للانسان من المرور عليها على الاستقامة حتى يصل إلى درجة القرب منه تعالى .
فمن كان على الصراط في درجة القرب فهو معروف الحق تعالى ، فيعرفه بذاته ويعرف به أمته واتباعه ، فمن عرفهم وعرفوه يدخلون الجنة ، لان ذلك سبب استحقاقهم لدخولها وادراك النعيم ، ومن انكرهم وأنكروه يدخلون النار لان ذلك سبب حرمانهم عن الجنة واستحقاقهم لدخول الجحيم ونيل العذاب الأليم .
وقوله عليه السلام : ان اللّه تبارك وتعالى لو شاء لعرف العباد نفسه ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله والوجه الّذي يؤتى منه ، متعلق بقوله : نحن الأعراف الّذي