يعنى إذا رأوا أهل النار الذين عرفوهم بسيماهم وما هم عليه من الكفر والفسق ظاهرا كان أو باطنا استعاذوا باللّه ودعوا اللّه ان لا يجعلهم مع القوم الظالمين ولا يحشرهم مع هؤلاء ، ومثل هذا الدعاء انما يليق ويفيد ويستجاب إذا كان العبد في الدنيا دار الاكتساب ، لان الآخرة دار الجزاء والثواب والعقاب لا دار العمل والسعي ، الا ترى ان أهل النار يدعون ربهم : خفف عنا يوما من العذاب ولا يفيد ولا يستجاب ؟
واما قوله تعالى :
وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ
( الأعراف - 46 ) فيحتمل الوقوع في الدارين وكذا قوله :
وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ
( الأعراف - 48 ) ، وان كان الظاهر فيه كونه حكاية قولهم في الآخرة بان يكون معناه : ونادى أصحاب الأعراف في الآخرة رجالا كانوا يعرفونهم في الدنيا بسيماهم ، وقالوا ذلك القول ولكن يجوز حمله الوقوع في الدنيا أو على ما هو أعم ، وعلى اى تقدير لا ينافي كون ما سبق من المذكورات اخبارا عن حال العارفين في الدنيا .
فإذا تقررت هذه المقدمات فنقول : قوله عليه السلام : نحن على الأعراف نعرف أنصارنا بسيماهم ، تنبيه على أن معنى على الأعراف على المعرفة وان كلمة « على » هاهنا للاستعلاء المعنوي العلمي لا للارتفاع المكاني الوضعي ، وفيه إشارة إلى أن أنصارهم أهل الجنة وأعدائهم أهل النار وهم يعرفون الفريقين في الدنيا بسيماهم لا بظواهر اعمالهم الحسنة أو السيئة .
ولا يبعد ان يكون فيه كناية لابن الكون ونظرائه الذين كانوا في الظاهر من أهل العبادة والزهد وكانت بواطنهم ملطخة بالكفر والعداوة والنفاق .
وقوله عليه السلام : ونحن الأعراف الّذي لا يعرف اللّه الا بسبيل معرفتنا ، أراد بالاعراف ما يعرف به الشيء سواء كان ما به المعرفة ذاتا أو صفة من باب تسمية « 1 » الشيء باسم سببه ومنشئه ، فلا منافاة بين قوله : نحن على الأعراف وقوله : نحن الأعراف ،
و
هامش
( 1 ) الظاهر هنا تسمية الشيء باسم مسببه لا السبب ، ويمكن التوجيه بعيدا والامر فيه سهل لمكان سهو القلم ، ومحصل التفرقة هاهنا هو ان المراد في الأول هو المعرفة بمعنى العارفية وفي الثاني هو المعرفة بمعنى المعروفية التي مرجعها كون اللّه تعالى معروفا بهم عليهم السلام وكونهم ما يعرف به اللّه سبحانه ، ولكن كونهم عليهم السلام ما يعرف به اللّه ، محصلة كون أشعة أنوارهم الفائضة على قلوب العرفاء باللّه سبحانه شعاع شعاع نور الأنوار ، فان أنوارهم الربوبية عبارة عن تجلى نور الأنوار وأشعة أنوارهم عبارة عن تجلى نور التجلي الأول ، وتجلى التجلي الأول ليس بمباين له ، بل هو بمنزلة عكس العكس ، والكل يرجع إلى التجلي الواحد الّذي له مراتب باعتبار اختلاف المظاهر والترتب الواقع بين المرايا .
فافهم ( نوري ) .