لا يلزم كون الشيء على نفسه لاختلاف معنى اللفظ فيهما ، ففي الأول أريد بالاعراف نفس المعرفة وفي الثاني أريد سببها ، وقوله : لا يعرف اللّه بصيغة المجهول ومعنى الكلام :
انه لا يمكن من الناس معرفة اللّه الا من طريق معرفتنا ، اى من عرفنا فقد عرف ربه .
واما قوله عليه السلام : ونحن الأعراف يعرفنا اللّه عز وجل يوم القيامة على الصراط « 1 » فلا يدخل الجنة الا من عرفنا وعرفناه ولا يدخل النار الا من أنكرنا وأنكرناه ، فأراد بالاعراف هاهنا نفس المعروف بالذات كما يطلق العلم على الصورة العلمية وهي المعلومة بالذات ، واما الّذي في الخارج بإزائها فهو معلوم بالعرض لا بالذات .
إذا عرفت هذا فعلم أن علمه تعالى بالأشياء على وجهين : أحدهما اجمالي والاخر تفصيلي ، اما علمه الاجمالي وهو علمه الكمالي الذاتي ، فهو نفس ذاته الأحدية من غير كثرة وتفصيل ، لان ذاته منبع انبجست منه وجودات الأشياء كلها ، فإذا علم ذاته علم جميع الأشياء بنفس ذلك العلم الّذي هو نفس ذاته تعالى .
واما علمه التفصيل سواء كان بحضور ذواتها عنده بحسب وجودها الخارجي أو بحصول صورها العلمية قبل ايجادها في خزائن قضائه كلية أو في ألواح قدره جزئية ، فذلك انما يكون على الترتيب السببى والمسببى ، فان العلم بالشيء ذي السبب انما يكون من جهة العلم بسببه كما ثبت في العلوم الحكمية .
هامش
( 1 ) كان المراد من الصراط حسبما اقتضاه مساق الشرح هاهنا هو القوس الصعودي الوجودي يتأدى لطائفة إلى الجنة ولطائفة إلى النار وهو صراط الوجودي الّذي هو غير صراط التوحيد لمكان التعميم الّذي يبتنى عليه حل الحديث ، وفيه اسرار عجيبة حسبما أومئ إليه ان شاء اللّه ، ومنها كونه علمه تعالى فعليا فيترتب عليه ما يترتب . فافهم ( نوري ) .