تعالى فرع معرفته ، كيف والمقصود الأصلي من العبادة التقرب إلى المعبود الحقيقي برياضة ما للقوى الحيوانية الخيالية والشهوية والغضبية من النفس لتصير منكسرة مطواعة للروح مسالمة له ليجرها بالتطويع والتعويد من جانب الزور ومعدن الغرور إلى جناب الحق ومقصد « 1 » الصدق ومشهد النور ، وهكذا كله متوقف على معرفة الحق ودار القربة على معرفة النفس ومنزل القربة « 2 » :
فمن لم يعرف نفسه بالمذلة والنقصان والوقوع في مهبط الأرذال ولا ربه بصفات القدس والعزة والجلال فلا معنى لإرادته للعبادة الارياء وتصدية ومكاء كما عليه أكثر الناس ، وإليه أشار بقوله : فاما من لا يعرف اللّه فإنما يعبده هكذا ضلالا ، فان أكثر الناس يعبدون اللّه بزعمهم من غير معرفة وبصيرة ، ولا أيضا يقتدون بامام ذي بصيرة كالأعمى الّذي له قائد يعول عليه في سلوكه أيضا على سبيل نجاة وضرب من الخلاص عن النكال .
فمن لم يوقع نفسه موقع المقلدين ولا له درجة العارفين المستبصرين فلا جرم يكون في ضلال مبين ، إذ يترتب على عبادته سيما إذا بالغ فيها وأكثر منها أنواع من الشر والآفة كالعجب والتكبر والأمن من مكر اللّه الخفي والاستدراج ونحو ذلك .
واما قوله عليه السلام في جواب السائل عن بيان معرفة اللّه حيث قال : تصديق اللّه عز وجل إلى آخره ففيه وجهان : خاصي وعامي .
اما الوجه الخاصي في المعرفة وهو ان يصدق بوجوده تعالى تصديقا يقينيا حاصلا بالبرهان ، ويصدق بوحدته وأحديته وعلمه وقدرته وحكمته وسائر صفاته الكمالية وانها غير زائدة على ذاته ، وان ذاته بذاته منشأ افعاله وان افعاله محكمة في غاية الجودة والنظام والتمام .
فلا بد ان يكون بينه تعالى وبين خلقه وسائط في الايجاد وهم الملائكة المقربون المقدسون ومن والاهم من الملائكة المدبرين ، ووسائط في التكميل والارشاد وهم الأنبياء المكرمون ومن يخلفهم من الأولياء الهادين .
هامش
( 1 ) مقعد - م .
( 2 ) الغربة - م .