أشباه الناس علماء لكثرة محفوظاتهم ووفور رواياتهم ، سيما إذا انضم إليها ما في - مقدرتهم من تحسين الكلام وترويج المعنى « 1 » وتبليغ العبارات والاستعارات ، كثيرا ما يغترون بعلمهم وحالهم ويزعمون أن لا علم الا ما وصل إليهم بالنقل عن الصحابة والتابعين وليس سوى ذلك علم من علوم الدين ، بل لا يكون ما سواه الا من يبدع المبتدعين وضلالات المتفلسفين ، وهذا سفه وغرور اغتر به أكثر علماء الرسوم ووقعوا بهذا الحبل في مهوى المعطلين ومهبط الجاحدين ومثوى المتكبرين .
فنبه عليه السلام أمثاله بان الذهاب يمينا وشمالا والخروج إلى البلدان والأطراف لطلب الحديث وتحرى الأسانيد العالية وجمع الروايات الكثيرة ورؤية الشيوخ مما لا فائدة فيها الا مجرد تحمل ألفاظ الاخبار كحملة الاسفار ، وليس في ذلك من النفع أزيد من وجدان نسخة صحيحة ، فيكون غاية هذا السعي يمينا وشمالا وثمرة هذا التطواف في الأطراف والتدوار في الأقطار حصول كتاب لا حصول علم الكتاب .
واما الكتاب فلا يحصل الا من عند اللّه العزيز الوهاب أو عند من اخذ من لدنه علما من أوليائه الذين عندهم علم الكتاب ، فان الذين أوتوا الكتاب ليسوا كالذين أوتوا العلم ،
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ
( المجادلة - 11 ) ،
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
( البقرة - 269 ) .
باب رواية الكتب « 2 » وفضل الكتابة والتمسك بالكتب
وهو الباب الثامن عشر من كتاب العقل والعلم وفيه خمسة عشر حديثا :
الحديث الأول وهو التاسع والثلاثون والمائة
« علي بن إبراهيم عن أبيه ، عن ابن أبي عمير عن منصور بن يونس » بزرج بضم الباء المنقطة تحتها نقطة وضم الزاي واسكان الراء والجيم أخيرا أبو يحيى وقيل
هامش
( 1 ) القول . النسخة البدل في الأصل للشارح .
( 2 ) الكتب والحديث ( الكافي ) .