إذا اتضحت هذه المقدمات فلنرجع إلى شرح الحديث ، فقوله عليه السلام :
لا يقبل اللّه عملا الا بمعرفة ، لان قوام العمل يعنى العبادة كالصلاة والصوم بمعرفة اللّه ونية التقرب إليه ، وقصد الطاعة والخضوع له والتشوق إلى جنابه والوصول إلى جنانه ورضوانه . فمن لا معرفة له باللّه واليوم الآخر ، فكيف يشتاقه وكيف ينوى ويقصد التقرب إليه وهو لم يعرفه بعد ؟ ولكن إذا عرفه يعلم أنه مما يجب طاعته والتوسل إليه بطاعة وعبودية وهو معنى قوله عليه السلام : فمن عرف دلته المعرفة على العمل .
فظهر ان المعرفة والنية روح العمل وان كان العمل أيضا وسيلة إليه كالبدن للروح والبذر للثمرة كما نظمه بعض العرفاء :
الروح للجسم والنيات للعمل * يحيى بها كحياة الأرض بالمطر
فتصير الزهر « 1 » للأشجار بارزة * وكل ما تخرج الأشجار من ثمر
كذلك تخرج من اعمالنا صور * لها روائح من نتن ومن عطر
ثم لما كان كمال المعرفة وازدياد نور القلب لا يحصل الا بتكرر الاعمال وترادف الأحوال ، فمن لم يعمل عملا صالحا فلا يتم ولا تبقى له معرفة ، وهو قوله عليه السلام : ومن لم يعمل فلا معرفة له ، فان العمل والعبادة والرياضة مما يصفى النفس ويرقق القلب ويطهره فيستعد بذلك لفيضان الصور العلمية عليه .
واما قوله عليه السلام : الا ان الايمان بعضه من بعض ، فيحتمل معنيين : لان الايمان اما ان يراد به نفس المعرفة والعلم باللّه وكتبه ورسله واليوم الآخر أو مجموع العلم والعمل والمعرفة والطاعة ، فمعناه على الأول : ان كل مرتبة من مراتب الايمان في القوة والكمال ، يحصل من مرتبة أخرى منه سابقة لأجل العمل بها وهي دونها في القوة والكمال ، ثم يؤدى هذه المرتبة أيضا بوسيلة العمل إلى مرتبة أخرى لاحقة هي اشرف وأكمل من الأوليين وهكذا إلى الغاية التي ليست بعدها غاية ، وعلى الثاني كان المعنى : ان الايمان كل من جزئيه العلمي والعملي يحصل من الاخر ، فعلمه يحصل من عمله وعمله يحصل من علمه على الوجه الّذي مربيانه وباللّه التوفيق .
هامش
( 1 ) الأثمار . النسخة البدل في الأصل للشارح .