ومن لم يعمل فلا معرفة له ، الا ان الايمان بعضه من بعض » .
الشرح
قد مر ان الايمان وكل مقام من مقاماته كالصبر والشكر والتوكل وغيرها ، ينتظم من المعارف والأحوال والاعمال ، فكل معرفة تثمر حالا وكل حال تثمر عملا وبالعكس من هذا الترتيب بعينه ، فان كل عمل يتأدى إلى اثر أو حال في النفس ، وكل حال وصفاء في النفس ، يتأدى إلى معرفة أخرى فيها ، فكل من هذه الأمور الثلاثة يكون أولا وآخرا فيتقدم على نفسه ، لكن لا على سبيل الدور المستحيل ، لان الّذي في الأول غير الّذي في الاخر بالعدد ، وكيفية التقدم والتأخر والعلية والمعلولية في أحد الترتيبين غير التي في عكسه . فان تقدم المعرفة على الحال وبتوسطها على العمل ، تقدم بالذات والطبع « 1 » كتقدم الفاعل على فعله ، وتقدم العمل على الحال وبتوسطها على المعرفة تقدم بالزمان لا بالذات كتقدم القابل واستعداده على المقبول الحادث بعده .
فظهر ان كلا من العلم والعمل له مدخلية في حصول الاخر بوجه دون وجه ، لكن العلم كالروح وهو الأصل والعمل كالبدن والفرع والآلة ، فقوام العمل بالعلم كقوام البدن بالروح ، ولكن شرط دوام العلم وكماله وازدياده مواظبة الاعمال ، ومثالهما :
كمن يمشى بالليل المظلم وبيده مصباح ، فكل خطوة منه لا يحصل الا بوقوع الضوء على موضع قدم ، فإذا قطع ذلك الموضع بالحركة وقع الضوء على موضع اخر ، فلا يزال كل حركة يتوقف على ضوء يستضيء به موضع ، وكل ضوء يحصل عقيب حركة يقطع بها موضع اخر ، وهكذا يترادف الأضواء ويتعاقب الحركات إلى أن يتأدى الماشي إلى الغاية ومعه المصباح وانتهت الحركة ، فهكذا يتكامل ايمان المرء بالمعرفة والطاعة حتى بلغ الغاية وخلص من التعب والمشقة ومعه نور اليقين والمعرفة يتنعم به في الآخرة ويلتذ بمشاهدة الحضرة الإلهية التي صورتها الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض .
هامش
( 1 ) والعلية . النسخة البدل في الأصل للشارح .