العلوم ، فرب متعلم يفهم مرتبة من العلم دون أخرى فوقها فضلا عمن لم يفهم شيئا .
ورب علم يفهمه بعض المتعلمين دون غيرهم فضلا عما لا يدركه أحد منهم ، فلا ينبغي للمعلم ان يفشى ما يعلمه إلى كل أحد ، هذا إذا كان يفهمه المتعلم ولكن لم يكن من أهل الانتفاع به ، فكيف فيمن لا يفهمه أو كيف فيما لا يفهمه ؟ بل ينبغي ان يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه وعلى قدر ما ينتفع به إذا فهمه ، فلا يلقى إليه ما لا يبلغه عقلة فينفره أو يخبط عليه اقتداء بسيد الأنبياء والمعلمين عليه وآله الصلاة والسلام حيث قال : نحن معاشر الأنبياء أمرنا ان ننزل الناس منازلهم ، فنكلم الناس على قدر عقولهم ، وليبث إليه الحكمة والحقيقة إذا علم أنه يستقل بفهمه .
وقد روى عنه صلى اللّه عليه وآله أنه قال : ما أحد يحدث قوما بحديث لا يبلغه عقولهم الا كان فتنة على بعضهم ، وقال علي عليه السلام واومى بيده إلى صدره الشريف :
ان هاهنا لعلوما جمة « 1 » لو وجدت لها حملة ، وصدق سلام اللّه عليه فان قلوب الأبرار قبور الاسرار .
وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله : لا تعلقوا الجواهر في أعناق الخنازير ، فان الحكمة خير من الجوهر الثمين ومن كرهها فهو شر من الخنزير فيكون اعطاؤها إياه ظلما في حقها لأنه وضع لها في غير موضعها .
وسأل بعض العلماء رحمهم اللّه عن مسألة فلم يجب فقال السائل : أما سمعت النبي صلى اللّه عليه وآله حيث يقول : من كتم علما نافعا جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار ؟
فقال : اترك اللجام واذهب ، فان جاءني من ينفعه فكتمته فيلجمنى ، وقول اللّه :
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ
( النساء - 5 ) ، تنبيه على أن حفظ العلم ممن يفسده ويضره أولى .
ومما يؤيد ما نحن فيه انه ذكر في كتاب بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن باسناده عن عبد اللّه بن سلمان قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام وعنده رجل من أهل البصرة يقال له عثمان الأعمى وهو يقول : ان الحسن البصري يزعم أن الذين يكتمون العلم
هامش
( 1 ) لعلما جما « نهج » .