باذن اللّه المتصرفة في المواد الأرضية المحركة لها إلى غاياتها الكمالية ، وتلك القوى الملكوتية الجاذبة والسائقة متفاوتة المراتب حسب مراتب الأنواع الأرضية ، فان في النبات قوة تجذب المواد العنصرية وتلطفها وتصفيها عن بعض الكدورات ويجعلها صاعدة إلى درجة الصورة النباتية .
وفي عامة الحيوان قوة أخرى أعلى منها درجة شأنها تصفية الصور الطبيعية الواقعة في الأوضاع والأمكنة والجهات وتجريدها عن هذه الأغشية واللبوسات إلى أن يجعلها صورة محسوسة حيوانية مجردة عن المادة والجهة والمكان ، لكن بشرط حضور المادة الخارجية .
وفي خواص الحيوان قوة أخرى أعلى وارفع من الأوليين . تجرد الصورة الحسية تجريدا أتم وتصفيها تصفية أكثر من المادة ، ومن النسبة إليها أيضا نسبة وضعية فيسوقها من درجة الحس إلى درجة التمثل والصور المثالية .
ولخواص البشر قوة إلهية تجرد صورة الادراكية من التعينات الجزئية الخيالية ويجعلها كلية عقلية وينقلها من حد التخيل إلى حد التعقل باشراق نور العقل عليها ، ويجعل ذاته النفسانية بنور العلم ذاتا علقية من اللّه مبدؤها وإلى اللّه منتهاها ، وهذا على ضروب الحياة بعد الموت عن النشأة السابقة وهو معنى قوله تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً
( الانعام - 122 ) .
وإذا علمت هذا فنقول : النفوس ثلاثة أقسام : النباتية والحيوانية والانسانية ولكل منها جاذب إلى جهة الفوق باعمال يناسبه ومدرك محيط لما تحته بادراكات يناسبه ، قال تعالى :
وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ
( ق - 21 ) ، إشارة إلى قوتيه الادراكية والتحريكية أو العلمية والعملية .
فكما ان هذه النفوس متفاوتة المراتب فكذا الملائكة الموكلة عليها المباشرة لافعالها باذن اللّه السائقة إياها والشاهدة عليها متخالفة الدرجات ،
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ *
( الانعام - 18 ) ، فقوله :
أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها *
، اى نأتى بملائكتنا عالم الأرض ونأخذ كمالاتها وأنوارها وصورها الشريفة على التدريج إلى أن نستوفيها فيبقى