وآله بان يريه بعض ما وعده أو يتوفاه قبل ذلك بين في هذه الآية ان آثار تلك المواعيد قد ظهرت وعلاماتها قويت وهو قوله :
أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ
( الرعد - 41 ) ، فانتقاص أحوال الكفرة وازدياد قوة المسلمين من أقوى العلامات والامارات على أن اللّه منجز ما وعده ، ونظيره قوله تعالى :
أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ
( الأنبياء - 44 ) .
وقال الفخر الرازي في الكبير : ويمكن ان ذلك الوجه أيضا لائق بهذا الموضع وتقريره ان يقال : أو لم يروا ما يحدث في الدنيا من الاختلافات خراب بعد عمارة وموت بعد حياة وذل بعد عز ونقص بعد كمال ، وإذا كانت التغيرات محسوسة مشاهدة فما الّذي يؤمنهم ان يقلب اللّه الحال على هؤلاء الكفرة بان يجعلهم ذليلين بعد ان كانوا عزيزين ومقهورين بعد ان كانوا قاهرين ، وعلى هذا الوجه فإنه يجوز اتصال هذا الكلام بما قبله ، وقيل : ننقصها من أطرافها بموت أهلها وتخريب ديارهم وبلادهم ، فهؤلاء الكفرة كيف أمنوا من أن يحدث أمثال هذه الوقائع ؟ هذا غاية ما ينتهى إليه أفكارهم وآراؤهم .
فان قلت : فما تأويل هذه الآية ومعنى اتيانه تعالى الأرض وما الوجه في كونها سببا لان يصير العالم الرباني سخيا يجود بنفسه في طلب سرعة الموت أو القتل ؟
قلت : للآية تأويلان : أحدهما بحسب الآفاق والثاني بحسب الأنفس ، فالأول ان الكفرة لما كانوا منكري المعاد ومعتقدين ان الدنيا باقية فأشار تعالى إلى أنهم لو نظروا وتأملوا في أحوال الأرض وتقلباتها واستحالاتها لرأوا انها يتلطف ويتصفى فيصير نباتا ثم حيوانا ثم انسانا فيتبدل صورة فصورة ، فكانت صورة كثيفة أرضية فتدرجت في اللطافة فصارت طبيعة حافظة للتركيب والكيفية الاعتدالية ثم نفسا فاعلة للجذب والتغذية والنمو والتوليد ثم نفسا ذات حس وإرادة ثم صارت ذاتا روحانية ذات توهم وفكر وروية ، فاشتدت لطافة وروحانية إلى أن خرجت من هذه النشأة إلى نشأة اخر فنقصت ارضيتها من جهة أطرافها وانضافت إلى عالم الروحانية .
والمراد من أطرافها هو أواخر مراتبها اللطيفة التي بعدت عن غاية الكثافة و - الأرضية وقربت في التصفى والتزيد إلى عالم الآخرة ، وذلك كله باتيان القوى الفعالة