من الناس الأتقياء ، فإن لم تجدوا فيهم تقيا فحادثوا العلماء ، فإن لم تجدوا فحادثوا العقلاء . فان التقى والعلم والعقل ثلاث مراتب ما جعلت واحدة منهن في أحد من خلقي وأريد هلاكه .
وانما قدم التقى على العلم لان التقى لا يوجد بدون العلم - كما بين في موضعه من أن الخشية لا تحصل الا مع العلم - ولا شك ان الموصوف بالامرين اشرف من الموصوف بأحدهما ، ولهذا السر قدم العالم على العاقل لان كل عالم عاقل ولا عكس كليا ، قال تعالى :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ
( البقرة - 282 ) .
بل أقول : التقوى يوجب تجرد النفس عن الدنيا والاجرام ، والتجرد مستلزم للعلم ، وكل مجرد عن المواد ذاتا وتعلقا فهو كامل بالفعل .
واما الإنجيل فقال تعالى في السورة السابعة : ويل لمن سمع بالعلم ولم يطلبه كيف يحشر مع الجهال إلى النار ، اطلبوا العلم وتعلموا فان العلم ان لم يسعد كم لم يشقكم ، وان لم يرفعكم لم يضعكم وان لم يغنكم فلم يفقركم ، وان لم ينفعكم لم يضركم . ان اللّه يقول يوم القيامة : يا معشر العلماء ، ما ظنكم بربكم ؟ فيقولون : ظننا ان ترحمنا وتغفر لنا ، فيقول : فانى قد فعلت انى استودعكم حكمتى لا لشر أردته بل لخير أردته بكم ، فأدخلوا في صالح عبادي إلى جنتي برحمتي .
وقال مقاتل : وجدت في الإنجيل ان اللّه تعالى قال لعيسى عليه السلام يا عيسى :
عظم العلماء واعرف فضلهم ، وانى فضلتهم على جميع خلقي الا النبيين والمرسلين كفضل الشمس على الكواكب وكفضل الآخرة على الدنيا وكفضلى على كل شيء .
وروى عن عيسى عليه السلام أنه قال : ان من أمة محمد صلى اللّه عليه وآله علماء حكماء كأنهم من الفقه أنبياء ، يرضون من اللّه باليسير من الرزق ويرضى اللّه منهم باليسير من العمل ويدخلون الجنة بلا إله الا اللّه .
واعلم أن المراد بهذه الكلمة في مثل هذا الموضع ، هو علم التوحيد لا مجرد التلفظ بها لسانا أو الاخطار بالبال مفهوما ، ولا التصديق بها تقليدا ولا الاعتقاد بها قلبا بأدلة يحررها المتكلم . وان كان شيء من هذه المقامات ، يكتفى به لعامة المكلفين
و