يرفع اللّه تعالى به أقواما فيجعلهم في الخير قادة هداة ، فيقتدى بهم أدلة في الخير تقتص آثارهم وترمق « 1 » افعالهم وترغب الملائكة في خلتهم وبأجنحتها تمسحهم ، وكل رطب ويابس يستغفر لهم حتى الحيتان في البحر وهو أمه وسباع البر وانعامه وهوام الأرض والسماء ونجومها .
لان العلم حياة القلب من العمى ونور الابصار من الظلم وقوة الأبدان من الضعف ، يبلغ به العبد منازل الأخيار والدرجات العلى ، وبه يطاع اللّه وبه يعبد وبه يوحد وبه يتورع ويزهد وبه توصل الارحام وتعرف الحلال والحرام ، وهو امام العمل والعمل تابعه يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء . واللّه اعلم .
وسأل اين المبارك عن « 2 » الناس فقال : العلماء قيل : فمن الملوك ؟ قال الزهاد ، قيل :
فمن السفيه « 3 » ؟ قال : الّذي يأكل بدينه « 4 » .
وانما لم يجعل غير العالم من الناس لان الخاصية التي بها ميز الانسان عن البهائم هي العلم والانسان ، انسان بما هو شريف لأجله ، وليس ذلك بقوة شخصه ، فان الجمل أقوى منه ، ولا بعظمه فان الفيل أعظم منه ، ولا بشجاعته فان السبع أشجع منه ، ولا بأكله فان الحمار أوسع منه بطنا ، ولا بالمجامعة فان اخس العصافير أقوى على السفاد منه ، بل لم يخلق الا للعلم ولا يشرف الا بذلك .
وقال فتح الموصلي : أليس المريض إذا منع الطعام والشراب والدواء يموت ؟
قال : بلى ! قال : كذلك القلب إذا منع العلم والحكمة ثلاثة أيام .
ولقد صدق فان غذاء القلب العلم والحكمة وبهما حياته ، كما أن غذاء الجسد الطعام ، ومن فقد العلم والحكمة فقلبه مريض وموته لازم ولكنه لا يشعر . إذ حب الدنيا واشتغاله بحياة الجسد أبطل احساسه بالموت ، وإذا حط عنه موت الجسد أعباء الدنيا
هامش
( 1 ) اى أطال وادام النظر .
( 2 ) من ( الاحياء ) .
( 3 ) السفلة ( الاحياء ) .
( 4 ) يأكلون الدنيا بدين ( الاحياء ) .