من حد القوة إلى الفعل ومن حد النقص إلى الكمال في باب العقل والمعقول فيصير عقلا كاملا بالفعل ، وهو المراد من غور العقل ، يعنى غايته وكماله الأقصى ، كما أن غور البحر عمقه وأصله الأقصى .
وبالجملة كل واحد من العقل والحكمة ، يوجب خروج الاخر من القوة والنقص إلى الفعل والكمال على وجه لا يكون دورا مستحيلا ، فان كلا منهما ذو مراتب في الشدة والضعف فكل مرتبة من العقل يقتضي استعداد الوصول إلى مرتبة من الحكمة ، إذا حصلت للنفس تجعلها مستعدة لفيضان مرتبة أخرى من العقل فوق المرتبة الأولى وكذا العكس ، وهكذا يتدرجان في الاشتداد والازدياد إلى أن يبلغا إلى الغاية القصوى والدرجة العظمى ، فبكل منهما يقع الوصول إلى غور الاخر وغايته .
واما قوله عليه السلام : وبحسن السياسة يكون الأدب الصالح ، فنقول : لما علمت أن الانسان له قوتان : أحدهما العقل النظري وهو كالأصل والمخدوم وغاية كماله ان يصير جوهرا مفارقا وعقلا بالفعل ، ولا يصير كذلك الا بالحكمة الغائرة في ادراك الحقائق والأخرى وهو كالفرع والخادم وهو العقل العملي وكماله هو ان يصير الانسان متأدبا بالآداب الصالحة والاعمال الشرعية .
ويكفى في ذلك حسن السياسة سواء السائس من خارج كالسلطان ، أو من داخل كحسن تدبير النفس ، ولما ظهر من كلامه عليه السلام حال غاية العقل وهي ادراك اعماق الحكمة وأغوارها ، وحال غاية الحكمة وهي الوصول إلى أقصى درجات العقل وكمالاته وهو الوصول إلى قرب الحق الأول ، وحال غاية السياسة وهو الأدب الصالح وتهذيب النفس بالاعمال الحسنة والطاعات والاجتناب عن القبائح والسيئات ، أراد أن يشير عليه السلام إلى كيفية استخراج الحكمة والامر الّذي به يقع السير إلى عالم القدس والمرور على صراط اللّه العزيز الحميد فقال :
التفكر حياة قلب البصير ، يعنى كما أن حياة الأبدان التي يقع بها الامتيار بين الجماد والحيوان هي قوة الحس والحركة ، فكذلك حياة القلوب والأرواح انما هي بقوة التفكر ونور الفهم الّذي يقع به الانتقالات والحركات في ظلمات النفس إلى عالم
شرح أصول الكافي — صفحة 592
مساهمون: محمد خواجوى
ص٥٩٢