الشرح
هذا حديث لطيف مختصر اللفظ كثير المعنى ، وقبل الخوض فيه يجب ان يعلم أن للنفس الانسانية قوتين : إحداهما نظرية والأخرى عملية ، فبالأولى تتأثر وتنفعل عما فوقها وعن المبدأ الاعلى وبالثانية وتؤثر وتفعل فيما تحتها وفي المادة السفلى ، ونسبة الأولى إلى الثانية كنسبة الروح إلى البدن ولكل منهما صفات وخصال ، وهي ان كانت غير راسخة تسمى أحوالا وان كانت راسخة مستحكمة تسمى أخلاقا وملكات ، إذا تقرر هذا فنقول :
كمال النفس من جهة القوة العملية ، هي اتصافها بالفضائل العملية كالعفة والكرم والشجاعة ونحوها وهي خصال الخير ، وتخليها عن الرذائل كالشهوة والحسد والبخل والكبر والجبن وغيرها وهي خصال الشر .
ومرجع الجميع إلى العدالة والطهارة وكمالها من جهة القوة النظرية هو كونها ذا عقل يعلم الأشياء كما هي ، وتلك العلوم اما بحيث لا غاية لها غير حصولها أنفسها واما بحيث لها غاية غير حصولها أنفسها وهي العمل بمقتضاها كالعلم بكيفية الصلاة والزكاة والحج والجهاد وسائر المعاملات والسياسات المدنية وغيرها ، وقد يعبر عن الأول « 1 » بالايمان وعن مبدئه بالعقل كما في هذا الحديث وعن الثاني بالدين ، فإذا تقررت عندك هذه المقدمات :
فاعلم أنه عليه السلام كان يقول حكاية عنه تعالى : من استحكمت لي فيه ، اى رسخت لاجلى في نفسه خصلة واحدة من خصال الخير ، يعنى من جملة الاخلاق الفاضلة التي محاسن القوة العملية من النفس ، احتملته اى قبلته ورحمت عليه بناء على وجدانه تلك الخصلة الواحدة من خصال الخير واغتفرت له وعفوت عنه فقده لما سوى تلك الخصلة .
فان اللّه كريم لا يعذب المؤمن الكريم ولو من جهة كرامة واحدة وهو خير محض لا يعذب العبد الخير ولو بصفة واحدة ولكن بشرطين : أحدهما ان يكون تلك الصفة
هامش
( 1 ) اى الّذي لا غاية لها غير أنفسها .