معيشة ضنكة وضيق صدر وظلمة قلب إلى قيام ساعته وكشف غطائه وفي الآخرة عذاب شديد .
وقوله عليه السلام : واللّه ولى من عرفه ، لان عرفان الشيء مستلزم للحصول عنده وتقرب إليه كما في الحديث الإلهي : انا جليس من ذكرني ، وهذا القرب ليس بالمكان وانما هو بالمكانة والمنزلة لأجل شرف المناسبة بينه وبين المؤمن العارف ، والمناسب للشئ محبوب عنده وما يقرب من الشريف فهو شريف والشريف يحب نفسه فيحب القريب منه بقدر قربه وشرفه ، وانما يكون زيادة القرب والشرف بقدر شدة المعرفة وقوة العلم ولذلك قال :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا
( البقرة - 257 ) . . . الآية ، وإذا علمت أن المعرفة منشأ ولاية اللّه وقربه فقس حال الجهل وكونه منشأ عداوة اللّه والبعد من رحمته كما قال :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ
( البقرة - 257 ) . . . . الآية ، إذ من كان وليه الطاغوت والطاغوت عدو اللّه فيكون هو أيضا من أعداء اللّه .
واعلم أن المتكلف بالعرفان المتصنع المرائي به هو أخبث ذاتا وأشد ابعادا عن الحق من الجاهل المحض ، إذ النفاق أسوأ من الكفر .
وقوله عليه السلام : والعاقل غفور ، لأنه قريب التشبه بالذي هو منبع الرحمة والمغفرة ، والجاهل ختور ، لأنه قريب الشبه بمعدن المكر والخديعة ، وان شئت ان تكرم فلن ، اى ان أردت أن تكون عزيزا كريما عند الخلق بل عند الخالق أيضا فتواضع للناس ولن لهم في الكلام وافش السلام ، فان اللّه وصى به لرسوليه الكريمين موسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما إلى فرعون وملأه حيث قال :
فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى
( طه - 44 ) ، وكذلك وصى وامر به حبيبه المصطفى صلّى اللّه عليه وآله بمثل قوله تعالى :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
( الأنفال - 61 ) ، وقوله :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
( الحجر - 88 ) ، وقوله :
وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
( آل عمران - 159 ) .
وقوله عليه السلام : وان شئت ان تهان فاخشن ، يعنى ان الخشونة من لوازمها