تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 551

مساهمون:

ص٥٥١
، لأنهم علموا الفرق بين السحر والمعجزة ، فان السحر كما سبق ذكر اقسامه ليس الا تمويهات وتخييلات من باب الحيل والخدائع والمكائد أو من تأثيرات نفسانية مستعملة للشر كإصابة العين ونحوها بخلاف المعجزة والكرامة ، فإنها جاءت من عند اللّه بقوة ملكوتية ربانية يطيعها النفوس والأبدان فيؤثر فيها تأثيرا ثابتا حقا مستعملا لأجل الخير واصلاح الخلق وحفظ النظام ، فيها كملت الحجة وتمت النعمة . واما قوم عيسى عليه السلام فكان الغالب عليهم الطب ، إذ كثر فيهم الزمانات والأمراض المزمنة واحتاجوا إلى المعالجة بالطب فبعث اللّه عز وجل من كان يعالجهم ويبرئهم من الكمه والبرص ويحيى الموتى ، كل ذلك لا بصناعة طبية بل بقوة ربانية ونفس قدسية ، وكما علم أن ما فعله الكليم عليه السلام من قلب العصا حية تسعى وانزال الرجز من السماء وتفجير الحجر اثنتا عشرة عينا وتظليل الغمام عليهم متى شاء بالدعاء وانزال المن والسلوى ليس من باب السحر بل من قبل اللّه تعالى ، فكذا يعلم يقينا ان ما فعله المسيح عليه السلام من احياء الموتى وغيره ليس من باب صناعة المعالجين والأطباء . واما قوم محمد صلّى اللّه عليه وآله فكان الغالب على نشأتهم إنشاء الخطب والرسائل والمبالغة في فصاحة الكلام وبلاغته وحسن البيان وسلاسته ومراعاة المطابقة لمقتضى الحال والمحافظة على محاسن اللفظ وبدائع النكت الغريبة ولطائف المناسبات العجيبة ووجوه الاستعارات والتخييلات وانحاء المجازات والكنايات وسائر ما يزيد في الكلام رونقا وتأثيرا في القلوب . فبعث اللّه عليهم النبي صلّى اللّه عليه وآله متحديا بالقرآن كتابا ساطعا تبيانه قاطعا برهانه ناطقا بحجج وبينات وسور وآيات عجز عن الاتيان بما يماثلها أو يدانيها مصاقع « 1 » الخطباء ، مشتملا على رموز واسرار وعلوم وأنوار تحيرت في ادراكها عقول الألباء ومواعظ وحكم تبلدت عن فهمها أذهان الحكماء ، ولم يتصد لمعارضة اقصر سورة من سوره واحد من الفصحاء ولم ينهض للقدح في كلمة من كلماته ناهض أذكياء البلغاء ، مع طول المدة وكثرة العدة وشدة الحرص وقوة الكدو غاية العصبية ونهاية الأنانية والافراط
هامش
( 1 ) خطيب مصقع ، اى : بليغ فصيح .