هاشم : العقل حباء من اللّه والأدب كلفة ، فمن تكلف الأدب قدر عليه ومن تكلف العقل لم يزد بذلك إلا جهلا » .
الشرح
الحباء بالكسر العطاء وحباه يحبوه أي أعطاه ، والأدب أدب النفس وهو التعلم والدرس والمراد به السيرة العادلة ، وقد أدب بالضم فهو أديب وأدبه غيره فتأدب واستأدب ، وعن أبي يزيد الأدب اسم يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الانسان في فضيلة من الفضائل ، والكلفة ما يتكلفه الانسان ويتجشمه وكلفه تكليفا اى امره بما يشق عليه .
اعلم أن كلامه عليه السلام يحتمل وجهين : أحدهما : الظاهر المتعارف وهو ان العقل غريزة من اللّه ليس للكسب فيه اثر والأدب مما يمكن تحصيله بالكسب ، ويقدر الانسان على أن يتكلف الآداب وان لم يكن في جبلته ولا يقدر ان يكتسب العقل إذا لم يكن في جبلته .
والثاني : ان الأدب بحيث متى شاء الانسان ان يتكلفه يمكنه وان لم يكن مما قد حصله سابقا بخلاف العقل ، فان الرجل العامي لو أراد ان يتصنع بالعلم والفضل لم يمكنه ذلك كما في قوله تعالى :
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
( البقرة - 256 ) ، لان الدين بالحقيقة هو الايمان والايمان هو العلم باللّه واليوم الآخر علما يقينيا وتصديقا قلبيا وليس ذلك مقدورا لكل أحد ، انما الّذي يقدر عليه جميع الانسان هو الاقرار باللسان والعمل بالأركان وهو امر جسماني كسائر أمور الدنيا من الهيئات والحركات والاشكال وغيرها . ولذلك ، الفرق ثابت بين الاسلام والايمان .
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
( الحجرات - 14 ) ، لان القلب من عالم الغيب والملكوت وهو بيد اللّه يقلبه كيف يشاء ليس لأحد التصرف فيه وفي أحواله ، واللسان والجوارح من عالم الخلق والشهادة يتصرف فيه النفس بالتحريك والتشكيك .