عبده المؤمن من رجل نزل في ارض دوية « 1 » مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهب راحلته فطلبها حتى إذا اشتد عليه الجوع والعطش أو ما شاء اللّه ، قال « 2 » ارجع إلى مكاني الّذي كنت فيه فأنام حتى أموت ، فوضع يده على ساعده ليموت فاستيقظ فاذن راحلته عنده ، عليها زاده وشرابه فقال من فرحه إذا أراد شكر اللّه : انا ربك وأنت عبدي « 3 » فاللّه أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته .
والأحاديث في ذلك لا تحصى والاجماع منعقد من الأمة على وجوبها ولا خلاف فيه ، ومن معانيها ترك المعاصي في الحال والعزم على تركها في الاستقبال والتدارك لما سبق من التقصير ولا شك في وجوبه .
واما التندم على ما سبق والتحزن عليه فواجب وهو روح التوبة وبه تمام التلافي ، فكيف لا يكون واجبا بل هو نوع تألم يحصل لا محالة عقيب حقيقة المعرفة بما فات من العمر وضاع في سخط اللّه ، فهذه حقيقة التوبة ووجوبها وفضلها ، فالاصرار على المعصية ضدها لأنه في غاية الخلاف لها بحسب اجزائها الثلاثة : من العلم والحال والعمل جميعا كما يظهر بالتأمل والمقايسة .
قوله عليه السلام : « الاستغفار وضده الاغترار » .
الاستغفار مأخوذ من الغفر وهو التغطية والستر ، ومنه المغفر وهو ما يلبسه الدارع على رأسه من الزرد « 4 » ونحوه ، ومن أسماء اللّه تعالى الغفار والغفور وهما من أبنية المبالغة ومعناهما الساتر لذنوب عباده وعيوبهم المتجاوز عن خطاياهم ، يقال : غفر اللّه لك يغفر غفرا وغفرانا ومغفرة ، والمغفرة الباس اللّه تعالى العفو للمذنبين ، فمعنى الاستغفار طلب المغفرة والعفو منه تعالى والداعي للعبد على طلب المغفرة من اللّه علمه بتقصيره في جنب اللّه واطلاعه على عيوب نفسه وزلاته ونقائصه .
هامش
( 1 ) اى المفازة .
( 2 ) اى : الرجل .
( 3 ) اى يقول لشدة فرحه عبارات غير منتظمة والحال انه أراد الشكر .
( 4 ) الدرع المزرودة : التي يتداخل بعضها في بعض .