العاجلة مع غاية اشراقه وظهوره ، فإنه اظهر الأشياء واجلاها ولم يمنع القلوب من الاستهتار بذلك الجمال الا عدم تزكيتها عن كدورات الشهوات أو شدة الاشراق وضعف الأحداق .
فسبحان من اختفى عن بصائر الخلق لغاية جلائه واحتجب عنهم لشدة ظهوره ، وكما علمت حال حقيقة السعادة ودرجاتها ، فقس عليه حال الشقاوة ودركاتها ، وكما أن السعادة راجعة إلى الوجود والعقل فالشقاوة إلى العدم والجهل الّذي هو ضد العقل .
قوله عليه السلام : « والتوبة وضدها الاصرار » .
التوبة الرجوع من الذنب إلى الطاعة اللّه تعالى وهو « 1 » يدل على أن الأصل في الانسان الّذي فطره اللّه عليه هو الايمان والطاعة ، وانما يعصى اللّه بسبب امر طار عليه كما دل عليه قوله صلّى اللّه عليه وآله : كل مولود يولد على الفطرة ، والاصرار من الصر وهو أشد وفلان مصرور ، اى مأسور موثوق « 2 » وصررت الناقة شددت عليها الصرار وهو خيط يشد فوق الخلف والتودية « 3 » لئلا يرضعها ولدها ، واصر على كذا اى أقام ودام عليه .
وقد سبق ان التوبة اسبق المقامات للمريد السالك إلى اللّه تعالى بعد العلم والإرادة وانها منتظمة من أمور مترتبة : علم وحال وعمل ، وذكرنا كيفية ترتيبها وتفصيلها ، واما وجوبها وفضلها :
فاعلم أن وجوب التوبة ، ظاهر بالآيات والاخبار وهو واضح بنور البصيرة لمن انفتحت بصيرته وشرح اللّه صدره بنور الايمان ، حتى اقتدر ان يسعى بنوره الّذي بين يديه في ظلمات الأرض مستغنيا عن قائد يقوده في كل خطوة ، فالسالك اما أعمى لا يستغنى عن القائد في كل خطوة واما بصير يهدى إلى اوّل الطريق ثم يهتدى بنفسه ، وكذا القياس
هامش
( 1 ) اى الرجوع .
( 2 ) اى : الأسير - الموثق .
( 3 ) التودية خشبة تشد على خلف الناقة إذا صرت .