في سلوك طريق الآخرة والدين ، فالناس ينقسمون هذا الانقسام .
فمن قاصر لا يقدر على مجاوزة التقليد في خطوة فيفتقر إلى أن يسمع في كل قدم نصا من كتاب أو سنة وربما يعوزه « 1 » ذلك فيتحير ويقف ، فسير هذا وان طال عمره وعظم جده مختصر وخطاه « 2 » قصيرة وحركته يسيرة ، ومن سعيد شرح صدره للاسلام فهو على نور من ربه يتنبه بأدنى إشارة لسلوك طريق معوصة « 3 » وقطع عقبات متعبة ، فيشرق في قلبه نور القرآن ونور الايمان وهو لشدة نور باطنه يجتزى « 4 » بأدنى بيان ، ويكاد زيته يضيء ولم تمسسه نار فإذا مسته نار فهو نور على نور يهدى لنوره من يشاء ، فهذا لا يحتاج إلى نص منقول في كل واقعة .
فمن هذا حاله إذا أراد ان يعرف وجوب التوبة فينظر أولا بنور البصيرة إلى التوبة ما هي ثم إلى الوجوب ما معناه ثم يجمع بين معنى الوجوب والتوبة فلا يشك في ثبوته لها ، وذلك ان معنى الواجب ما هو واجب في الوصول إلى سعادة الأبد والنجاة من هلاك السرمد ، ومعنى قول القائل : صار كذا واجبا بالايجاب ، حديث محض لا معنى له ، فان ما لا غرض لنا عاجلا واجلا في فعله وتركه فلا معنى لاشتغالنا به أوجبه غيرنا أو لم يوجبه .
فإذا عرف الوجوب وانه الوسيلة إلى سعادة الأبد ، وعلم أن لا سعادة في دار البقاء الا بالقرب منه تعالى والوصول إلى دار كرامته وكل محجوب عنه فهو شقى لا محالة يحول بينه وبين ما يشتهيه محترق بنار الفراق ونار جهنم ، وعلم أن لا مبعد له عن لقاء اللّه ، الا اتباع الشهوات وارتكاب الخطيئات والانس بهذا العالم الفاني والاكباب على حب ما لا بد من فراقه ، وعلم أن لا مقرب من لقاء اللّه الا قطع العلاقة عن زخرف الدنيا ولذاتها والاقبال بالكنه على اللّه طلبا للانس بذكره ، والمحبة له بمعرفة جماله
هامش
( 1 ) اى : يشتد . عوز الشيء : عز فلم يوجد وأنت محتاج إليه .
( 2 ) جمع الخطوة .
( 3 ) اى : الصعبة .
( 4 ) اى : يقطعه - سلكه وخلفه .