والأرض ، وجلال خالقها ومدبرها وهو بعد في الدنيا أكثر من رغبته في المأكول الهنىء « 1 » والمنكوح الشهى والملبوس البهى ؟
فكيف في الآخرة التي يصير فيها العلم عينا والمعرفة مشاهدة والتخييل ابصارا ! ثم كيف لا يكون هذه السعادة أعظم من لذة البطن والفرج ، والرغبة إليها أغلب على العارف البصير وهي مشاركة للملائكة في الفردوس الاعلى وحظيرة القدس ! إذ لاحظ للملائكة في المطعم والمشرب والمنكح ولعل تمتع البهائم بالمنكح والمطعم والمشرب أزيد من تمتع الانسان .
فان كنت ترى مشاركة البهائم في لذاتها أحق بالطلب والرغبة من مشاركة الملاء الاعلى في فرحهم وسرورهم بمطالعة جمال الحضرة الربوبية فما أشد جهلك وغبنك وما اخس همتك ؟ وقيمتك على قدر همتك .
فالعارفون لما رزقوا شهوة المعرفة ولذة النظر إلى جلال اللّه تعالى ، فهم من مطالعتهم جمال الحضرة الربوبية في جنة عرضها السماوات والأرض لا بل هي أكبر وأوسع وأدوم وأبقى .
والعارفون ينظرون إلى العاكفين في حضيض الشهوات الحسية نظر العقلاء إلى الصبيان عند عكوفهم على لذة اللعب ، ولذلك تراهم يستوحشون من الخلق ويؤثرون العزلة والخلوة لذكر اللّه وهو أحب الأشياء إليهم ويهربون من الجاه والمال علما بأنها تشغلهم عن لذة المناجاة ويعرضون عن أهلهم وأولادهم ترفعا عن الاشتغال بهم عن ذكر اللّه تعالى ، وترى الناس يضحكون عليهم ويسخرون منهم وينسبون حالهم إلى السفه والجنون وهم اعقل الناس ، وهم أيضا يضحكون على الناس بقناعتهم بمتاع الدنيا الفانية ويقولون :
إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
( هود - 38 و 39 ) .
فالعارف مشتغل بتهيئة سفينة النجاة لنفسه ولغيره لعلمه بخطر المعاد ، فيضحك على أهل الغفلة ضحك العاقل على الصبيان إذا اشتغلوا باللعب بالصولجان ، فالعجب ممن يشتغل ويقنع عن النظر إلى جلال الحضرة الربوبية إلى اللذات الباطلة والشهوات
هامش
( 1 ) اى : السائغ .