وسائر الحيوانات كما قال تعالى :
أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ
( مريم - 59 ) ، وانما أوجب اللّه الصلاة على الانسان وكلف بها نفوس الآدميين لاختصاصها بالعقل الّذي هو موضع سر اللّه ومحل معرفته وطاعته وقابل تعليمه وارشاده ونوره وهداه وأهل كرامته وزلفاه ، بخلاف سائر الحيوانات فإنها متروكة عن الخطاب مسلمة عن الحساب والعتاب .
ثم لا يخفى على أولى النهى من أهل البصيرة والهدى دون أهل النفس والهوى ما في الصلاة الكاملة من اجتماع معان وخصال ليست في شيء من الحسنات والعبادات الظاهرة من حضور القلب والتفهم والتعظيم والهيبة والرجاء والحياء ، وهذه ست خصال شريفة وحالات كريمة وملكات عظيمة لا يوجد جميعها الا في مؤمن امتحن اللّه قلبه بنور المعرفة والايمان ، اما بيانها تفصيلا :
فالأول : حضور القلب : والمراد به ان يتفرغ القلب عن غير ما هو ملابس له ومتكلم به فيكون العلم بما يتلبس به من الافعال وينطق به من الأقوال بالفعل ولا يكون فكره جاريا في غيرها ، ومهما انصرف الفكر عن غير ما هو فيه وكان في قلبه ذكر ما هو فيه ولم يكن غافلا عنه فقد حصل حضور القلب .
والثاني التفهم لمعنى الكلام : وهو امر وراء حضور القلب ، فربما يكون القلب حاضرا مع اللفظ ولا يكون حاضرا مع معنى اللفظ ، فاشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ هو الّذي أردنا بالتفهم ، وهذا مقام يتفاوت الناس فيه إذ ليس يشترك الجميع في تفهم المعاني للقرآن والأذكار والتسبيحات ، وكم من معان لطيفة يفهمها المصلى في أثناء صلاته ولم يكن قد خطر بباله ذلك ؟ ومن هذا الوجه كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فإنها تفهم أمورا تلك الأمور تمنع من الفحشاء لا محالة « 1 » .
هامش
( 1 ) قال الشيخ محى الدين الاعرابى في الفتوحات المكية : ان معناه بحسب الظاهر أن المصلى ما دام في الصلاة ما يتمكن من فعل الفحشاء والمنكر بقدرها ، وبحسب الباطن ان العبادة الحقيقية تنهى عن الفحشاء والمنكر اللذين هما بمعنى رؤية الغير ورؤية نفس السالك المتوجه إلى اللّه ، فان هذا هو الفحشاء والمنكر المنهى عنها لا غيره .