معرض الامتنان على النبي صلّى اللّه عليه وآله :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ
( آل عمران - 159 ) .
واللين هو المدارة وخفض الجناح ، الا ترى إلى الحق تعالى يرزق الكافر على كفره ويمهل له في المؤاخذة عليه وقال عز وجل لموسى وهارون في حق فرعون :
فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً
( طه - 44 ) ، وهذا عين المداراة وكان من اخلاق النبي صلّى اللّه عليه وآله المداراة واحتمال الأذى ، وبلغ من مداراته صلّى اللّه عليه وآله ما روى أنه وجد قتيل من أصحابه بين اليهود فلم يجف عليهم ولم يزد على مر الحق بل وداه « 1 » . بمائة ناقة وان بأصحابه لحاجة إلى بعير واحد يتقوون به ، وكان من حسن مداراته انه لا يذم طعاما ولا ينهر خادما .
وروى عن انس أنه قال : خدمت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عشر سنين فما قال لي أف قط ، وما قال لشيء صنعته لم صنعته ولا لشيء تركته لم تركته ، فالمداراة مع كل أحد من الأهل والأولاد والجيران والأصحاب وكافة الخلق من اخلاق الأنبياء والأولياء عليهم السلام والصوفية والحكماء رضى اللّه عنهم .
وقيل : لكل شيء جوهر وجوهر الانسان العقل وجوهر العقل الصبر ، وكما أن المداراة والصبر من خصائص العقل وكذلك من صفات الكفرة والجهال المكاشفة مع الناس والمجاهرة بما اطلعوا على خفيات أمورهم وعيوبهم واظهار زلاتهم وقصوراتهم طلبا للتفوق على الخلق والتفاخر والرعونة وغير ذلك من اغراضهم الخسيسة ودواعيهم الباطلة ، وهذا من صفات الشياطين والأشرار كما أن الأول من نعوت الملائكة والأخيار .
قوله عليه السلام : « وسلامة الغيب وضدها المماكرة » ، لما كان العقل جوهرا نورانيا يتجلى فيه حقائق الأشياء وهو محل معرفة اللّه ومظهر صفاته تعالى وملكوته ، فلا بد ان يكون كمرآة مجلوة صافيا عن الكدورت سالما عن الغش والعيب ، مبرأ عن الدغل والمكر والكذب ، واما النفوس الجاهلة المظلمة الخبيثة ، فلكونها مدنسة بالشهوات ملطخة بالكدورات ممنوة بالعيوب والآفات والأمراض ، فتضطر وتلتجئ ابدا في المعاشرة
هامش
( 1 ) اى اعطى ديته .