اللّه دائم بدوامه ، فذاته حق بالمعنى الأول وقوله حق بالمعنى الثاني . واما الجهل المضادّ له :
فذاته باطل بالمعنى الأول كما قررناه فيما سلف ، وقوله : باطل بالمعنى الثاني .
قوله عليه السلام « والأمانة وضده الخيانة » ، الأمانة والأمن والأمان بمعنى وقد امنت فانا آمن وامنت غيرى من الأمن والأمان ، وامنته على كذا وائتمنته إذا اتخذته أمينا ، واطلاقها على المجعول أمانة على سبيل المبالغة ، والمراد من الأمانة ، هاهنا كون الشيء أمينا ومن الخيانة ، كونه خائنا وامنت من الايمان وهو التصديق ، لأنه يوجب الأمن يوم القيامة ، في الحديث : لا ايمان لمن لا أمانة له ، وقوله تعالى :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ . . .
( الأحزاب - 72 ) . الآية .
قال أهل الإشارة فيه : المراد بها الوجود الفائض من اللّه على الموجودات كلها ، وما سوى الانسان سيما الكامل الّذي هو العقل لم يحمل الأمانة من حيث إنها أمانة وهو ان يردها إلى أهلها ، إذ لم يقبل الوجود الاعلى وجه يفنى عنه ويزول متحولا إليه تعالى وراجعا منه إليه وهو باق ببقاء اللّه هالك عن نفسه ، وغير الكامل من الانسان أيضا ينتقل من هذه النشأة إلى نشأة ثانية فهذا الوجود عارية عنده مردودة إلى غيره ، واما سائر الموجودات فليس الامر فيها كذلك ، لأنها لا يخلو اما باقية الذوات أو فاسدها .
اما القسم الأول : فما دام بقاؤه كان كل له مقام معلوم من غير تبدل .
واما القسم الثاني : فإذا فسد ، فسدت ذاته بالكلية من غير أن يبقى عند أداء الأمانة إلى أهلها « 1 » فتأمل فإنه من غوامض العلم ، فاذن العقل امين لأنه يعلم أن لا حول ولا قوة الا باللّه العلي العظيم ، والجهل خائن لأنه يزعم أن الحول حوله والقوة قوته .
قوله عليه السلام : « والاخلاص وضده الشوب » ، قال اللّه سبحانه :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
( البينة - 5 ) ، وقال :
أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ
( الزمر - 3 ) ، وقال :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ
( النساء - 146 ) ، وقال :
فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً
( الكهف - 110 ) .
هامش
( 1 ) ويكون موجودا بوجود رب نوعه ومحشور بحشره ولا يكون له حشر بالاستقلال .