قوله عليه السلام : « والشهامة وضده البلادة والفهم وضده الغباوة » « 1 » .
الشهامة ذكاء الفهم وانارته ، والبلادة ضدها وهو خمود الفهم وجموده ، وتبلد اى تكلف البلادة أو تردد متحيرا ، والفهم هو العلم ، فهمته اى علمته ، والغباوة عدم الفهم ، وكون الأولين « 2 » من توابع العقل والأخيرين « 3 » من لوازم الجهل جلى لا يحتاج إلى بيان .
قوله عليه السلام : « والصدق وضده الكذب » الصدق هو مطابقة الكلام اى الخبر للواقع أو للضمير أو مطابقة الاعتقاد للواقع ، وقوله تعالى :
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ
( المنافقون - 1 ) يدل بظاهره على الثاني « 4 » دون الباقيين ، ويمكن دفعه بان التكذيب متوجه لما ادعوه من الاخبار عن الضمير ، فالضمير هاهنا يقوم مقام الخارج ، والصادق قد يوصف به القول وقد يوصف به القائل ، والصديق فعيل للمبالغة في الصدق أو في التصديق ، والكذب مقابله في جميع معانيه تقابل العدم والملكة ، لأنه عدم الصدق لما من شأنه الصدق .
وقد أشرنا إلى صحة اطلاق الضد على هذا العدم باصطلاح أهل الميزان « 5 » .
واعلم أن المراد من هذه الأوصاف المعدودة من جنود العقل ، وكذا مقابلاتها المعدودة من جنود الجهل ، انما يكون مباديها الراسخة وملكاتها الثابتة في النفس دون آثارها التي هي من الأفاعيل والاعمال ، فالصادق أو الصدوق في الحقيقة من في ضميره ملكة الصدق في الأقوال والاعتقادات ، وان لم يقل قولا ولم يخطر بباله صورة اعتقاد وكذا قياس الكاذب والكذوب .
ولهذا قيل : الكذوب قد يصدق ، فملكة الصدق في الأقوال والآراء والأحوال من نعوت العقل . قال سبحانه :
رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
( الأحزاب - 23 ) ، وقال بعض العرفاء : إذا طلبت اللّه تعالى بالصدق افادك مرآة بيدك حتى تبصر كل شيء من
هامش
( 1 ) في هذه الفقرات تقديم وتأخير لا ينقص من أصلها .
( 2 ) اى الشهامة والفهم .
( 3 ) اى البلادة والغباوة .
( 4 ) اى مطابقة الكلام للضمير .
( 5 ) لان الضد على اصطلاح أهل الميزان لا يجب ان يكون وجوديا .