تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
بان يتواضع للّه في نفسه ويعتقد التعظيم لربه ، وهذا التواضع والتعظيم عمل القلب وآلته الجوارح والأعضاء وهي انما استعملت لتطهير القلب وتنزيه السر . فان القلب اعني اللطيفة الانسانية خلقه اللّه خلقة يتأثر عن البدن والجوارح بالمواظبة على الاعمال كما خلقت الجوارح متأثرة بمعتقدات القلب ونياته ، ولما كان المقصود من وجود الانسان كما أشرنا إليه ان يتواضع في نفسه بقلبه وبدنه وسره وعلنه بان يعرف قدر نفسه بخسة رتبة الوجود والفقر والامكان والحاجة والنقصان ليعرف جلال اللّه وعلوه وعظمته ووجوب وجوده وغناه عما سواه . وكان من أعظم الشواهد على خسته الموجبة لخضوعه وتواضعه انه مخلوق من التراب وهو أصله ، فكلف ان يضع على التراب الّذي هو أذل الأشياء وجهه الّذي هو أعز الأعضاء ليستشعر قلبه التواضع بوضع الجبهة مماسة للأرض فيكون متواضعا في جسمه وصورة شخصه بغاية الوجه الممكن فيه ، وهو معانقة التراب الخسيس الوضيع بالعضو الشريف العزيز ، ويكون العقل متواضعا لربه بما يليق به وهو معرفة الضعة وسقوط الرتبة والفقر والعجز والقصور . وكذلك التعظيم للّه وطلب الفرار عن النفس والمهاجرة إليه والتقرب إلى من عنده والانخراط في سلك مجاوريه وظيفة القلب وفيه نجاته ، وذلك أيضا ينبغي ان يستشرك فيه الجوارح بالقدر الّذي يمكن ان يتحمل الجوارح ولا يؤدى إلى مفسدة ، فتعظيم القلب للّه بطريق اكتساب المعرفة والعلم والتخلق باخلاق اللّه والطهارة عن رذائل الصفات . واما تعظيم الجوارح للّه فبتطهيرها عن الأخباث وتنظيفها والتجمل ولبس الزينة والتختم والطيب والإشارة إلى جانب العلو الّذي هو أعلى الجهات ، ورفع الأيدي بالدعاء إلى جانب السماء وطلب المقاصد والمآرب من الرب الاعلى . فالانسان ينبغي ان يراعى الحقين ولا يهمل أحد الجانبين بالاعتدال ، فالكشف عن حقيقة التواضع انه رعاية للاعتدال بين الكبر والضعة ، فالكبر رفع الانسان نفسه فوق قدره بالاستطالة والتفوق على الاقران وهو من الأمراض المهلكة ، والضعة وضع الانسان