عَظِيمٍ وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ
( القصص - 79 و 80 ) ، فنسب الزهد إلى العلماء ووصف أهله بالعلم وهو غاية الثناء وقال :
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى
( طه - 131 ) ، وقال في معرض وصف الكفار :
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ
( إبراهيم - 3 ) ، فمفهومه ان المؤمن هو الّذي يتصف بضد ذلك وهو ان يستحب الآخرة على حياة الدنيا . واما الاخبار فكثيرة في ذم الدنيا كما سيجيء .
ولما سأل عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عن معنى الشرح في قوله تعالى :
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ
( الانعام - 125 ) ، وقيل ما هذا الشرح ؟
قال : ان النور إذا دخل القلب انشرح له الصدر وانفسح .
قيل يا رسول اللّه وهل لذلك علامة ؟
قال : نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله ، فانظر كيف جعل الزهد شرط الاسلام وعلامة نور القلب وانشراح الصدر وهو التجافي عن دار الغرور .
واعلم أن أركان الزهد ثلاثة : نفسه وما فيه وما عنه . ولكل درجات واقسام ، اما درجات الزهد فالدرجة السفلى منه : ان يزهد في الدنيا وهو لها مشته ونفسه إليها مائلة ولكنه يجاهدها ويكفها وهذا يسمى المتزهد .
والدرجة الثانية : الّذي يترك الدنيا طوعا لاستحقاره إياها بالإضافة إلى ما طمع فيه ، كمن يترك درهما لأجل درهمين فإنه لا يشق عليه ذلك وان كان يحتاج إلى انتظار قليل ولكن هذا الزاهد يرى لا محالة زهده ويكون ملتفتا إليها ومعجبا بنفسه وبزهده يظن بنفسه انه ترك شيئا له قدر لما هو أعظم قدرا منه ، وهذا أيضا ليس كمال الزهد .
الدرجة الثالثة وهي العلياء : ان يزهد في الدنيا طوعا ويزهد في زهده فلا يرى زهده ، إذ لا يرى أنه ترك شيئا ، إذ يعرف ان الدنيا لا شيء ، كمن ترك قذرة واخذ جوهرة فلا يرى ذلك معاوضة ، ولا يرى نفسه تاركا شيئا ، إذ الدنيا بالقياس إلى نعيم