كان اتصافه بهما على وجه أعلى واشرف وكان باعتبار المظاهر والآثار ، وكذا نسبة الغضب إليه باعتبار ما يصدر عنه في حق أعدائه .
اعلم : ان اللّه خلق الجنة والراحة والنعمة والسعادة والخير من رحمته وخلق النار والعذاب والنقمة والشقاوة والشر من غضبه ، الا ان الرحمة ذاتية له والغضب عارضى « 1 » .
ثم اعلم : انه لما خلق الحيوان معرضا للفساد والموتان بأسباب من داخله وأسباب من خارجه ، اما الداخلة فلتركبه من أمور متضادة كالحرارة والرطوبة فجعل بين الحرارة الغريزية والرطوبة الغريزية عداوة وهي اوّل عداوة حدثت في طينة الانسان ، فلا يزال الحرارة تحلل الرطوبة وتبخرها وتجفها وتفنيها ، فلو لم يتصل بالرطوبة مدد من الغذاء يجبر ما انحل وتبخر لبطل التركيب وانحل في اسرع زمان ، فخلق اللّه من رحمته الغذاء الموافق لبدن الحيوان وخلق أيضا شهوة تبعثه على تناول الغذاء كالموكل به في جبر ما انكسر وسد ما انثلم .
واما الأسباب الخارجة التي يتعرض لها الانسان فكالسيف والسنان وسائر الأعداء والمهلكات فافتقر إلى قوة حمية تثور من باطنه فيدفع المهلكات .
فخلق اللّه الغضب من النار وغرزه في الانسان وخمره في طينته فمهما قصد في غرض من اغراضه وصده مانع عن ذلك اشتعلت نار الغضب من باطنه وثارت ثورانا يغلى به دم القلب كغلى الحميم وينتشر في العروق ويرتفع إلى أعالي البدن والوجه ، كما يرتفع الماء الّذي في القدر ، فلذلك يحمر الوجه والبشرة . وبالجملة فقوة الغضب محلها القلب وآلتها حرارة الدم وغليانه .
ثم الناس في هذه القوة على درجات ثلاثة من الافراط والتفريط والاعتدال وهو المحمود ، ومهما اشتدت نار الغضب وقوى اضطرامها أعمى صاحبه وأصمه عن كل موعظة وينطفي نور عقله وتنمحى في الحال بدخان الغضب .
فان معدن الفكر الدماغ ، فإذا تصاعد إليه من غليان دم القلب دخان مظلم يستولى على معادن الفكر وربما يتعدى إلى معادن الحس فتظلم عينه حتى لا يرى شيئا ويسود
هامش
( 1 ) لان الرحمة هي الوجود والغضب يحصل باعتبار عدم قابلية القابل لكمال .