يحجبهم عن نفسه وانما حجبهم تدبيرهم .
وقال بعضهم : ان العبد لو هرب من رزقه لطلبه كما لو هرب من الموت لأدركه ، ولو سأل اللّه ان لا يرزقه لما استجاب دعاؤه ولكان عاصيا ولقال له : يا جاهل كيف اخلقك ولا ارزقك ؟ وقال تعالى :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
( الذاريات - 22 ) .
ثم اكد هذا القول بالقسم فقال :
فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
( الذاريات - 23 ) ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : لو توكلتم على اللّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا وأزال بدعائكم الجبال .
وفي هذا الكتاب الكافي باسناده عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : كان أمير المؤمنين عليه السلام كثيرا ما يقول : اعلموا علما يقينيا ان اللّه تعالى لم يجعل للعبد وان اشتد جهده وعظمت حيلته وكثرت مكايدته ان يسبق ما سمى له في الذكر الحكيم ولم يحل بين العبد في ضعفه وقلة حيلته ان يبلغ ما سمى له في الذكر الحكيم وقال تعالى :
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
( الحديد - 22 و 23 ) .
ثم من نظر في ملكوت السماوات والأرض انكشف له تحقيقا ان اللّه تعالى دبر الملك والملكوت تدبيرا لا يجاوز العبد رزقه وان ترك الاضطراب ، فان العاجز عن الاضطراب لم يجاوزه رزقه ، أما ترى الجنين في بطن أمه لما كان عاجزا عن الاضطراب كيف وصل سرته بالام حتى تنتهى فضلات غذاء الام إليه بواسطة السرة ولم يكن ذلك بحيلة الجنين ؟ ثم إذا انفصل سلط اللّه الحب والشفقة على الام لتكفل به شاء أم أبى اضطرارا من اللّه بما اشعل في قلبها من نار الحب ؟
ثم لما لم يكن له سن يمضغ به الطعام جعل رزقه من اللبن الّذي لا يحتاج إلى المضغ وانه لرخاوة مزاجه لا يحتمل الغذاء الكثيف قدر له اللبن اللطيف في ثدي الام عند انفصاله على حسب حاجته أكان ذلك بحيلة الطفل أو بحيلة الام ؟ فإذا صار بحيث يوافقه الغذاء الكثيف أثبت « 1 » له اسنانا قواطع وطواحن لأجل المضغ ، فإذا كبر واستقل
هامش
( 1 ) كذا في الأصل ، والظاهر : انبت .