يدي الغاسل لا يفارقه الا في انه يرى نفسه ميتا بحركة القدرة الأزلية كما يحرك يد الغاسل الميت ، وهو الّذي قوى يقينه بأنه مجرى الحركة والقدرة وسائر الأسباب وان كلها يحدث عنه فيكون له عين الانتظار لما يجرى عليه المقادير .
فإذا علمت درجات الحال التي هي التوكل بمعنى الثقة والاعتماد قوة وضعفا وكمالا ونقصا فقس عليه ما يتفرع عليها من ترك الاهتمام وعدمه وقلة السعي والاكتساب وملابسة الأسباب وكثرتها .
فالمتوكلون في مباشرة المكاسب وملابسة الأسباب على مقامات :
أعلاها مقام الخواص وهو ان يدور المتوكل في البوادي بغير زاد ثقة باللّه تعالى في نفسه على الصبر أسبوعا وما فوقه أو تيسر حشيش له أو قوة أو قوت أو بنية « 1 » على الرضاء بالموت ان لم يتيسر شيء من ذلك .
وأوسطها ان يقعد في بيته أو في مسجده ولكنه في القرى والأمصار ، وأدناها ان يخرج ويكسب اكتسابا على وجه صحيح عند الشرع والعقل ، وهذا السعي لا يخرجه عن مقامات التوكل إذا لم يكن طمأنينته إلى كفايته وقوته أو جاهه أو بضاعته ، فإنه ربما يهلك اللّه جميعها في لحظة ، بل يكون نظره إلى الكفيل الحق بحفظ ذلك وتيسير أسبابه ، بل يرى كسبه وكفايته وبضاعته وقدرته بالإضافة إلى قدرة اللّه كما يرى القلم في يد الكاتب الموقع من جانب الملك ، فلا يكون نظره واعتماده ووثوقه بالقلم بل نظره إلى قلب الملك ، فهو ببدنه مكتسب وبقلبه عنه منقطع ، بل هذا على هذا الوجه ان كان له عيال أو متعلق من المساكين اشرف من حال القاعد في بيته .
وقد قال صلّى اللّه عليه وآله : الكاد لعياله كالمجاهد في سبيل اللّه ، كما أن المقام الاعلى في التوكل يثمر ترك الدعاء والسؤال وترك التدبير الا بحسب ما امر اللّه به من نحو قوله
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
( غافر - 60 ) ، فيدعو ويتضرع إليه ويكون ثقته باللّه لا بدعائه وتضرعه .
سأل بعض العرفاء عن التوكل فقال : انه ترك التدبير وقال : ان اللّه خلق الخلق ولم
هامش
( 1 ) تثبيته « الاحياء » .